بسم الله الرحمن الرحيم
أد : يحيى هاشم حسن فرغل
حضارة على أبواب الفناء
وأكذوبة الصدق
إنه إذا كان مالك بن نبي قد شخص الحالة الشرقية بالقابلية للاستعمار فإن أرنولد توينبي فيلسوف ومؤرخ الحضارة ، وآل جور نائب رئيس الولايات المتحدة الأسبق وأخرين قد شخصوا حالة الحضارة الغربية – بحق – بوقوفها على أبواب الفناء حيث أصبحت بحالة غير قابلة للعلاج .
يقول توينبي :
: ( هذا النجاح المنذر بالشر للتكنولوجيا العلمية البشرية - إضافة إلى النتائج الأصغر للانجازات السابقة التى قامت بها الثورة الصناعية - هو الذي يهدد بجعل المحيط الحيوي مكاناً غير صالح للعيش )
و يقول ( في عصرنا نجد أن سيادة الإنسان التامة على المحيط الحيوي بأكمله تهدد بإحباط نوايا الإنسان ، وذلك بتحطيم المحيط الحيوي والقضاء على الحياة بما في ذلك الحياة البشرية كلها . ) أنظر تاريخ البشرية صــ 26 -28-– 29- 31- جـ 1 ، ترجمة " نيقولا زيادة..
ويتفق آل جور ـ وهو أحد كبار القيادات المسئولة في هذه الحضارة _ مع التحليل الذي وصل إليه أرنولد توينبي للمشكلة ، يقول آل جور في كتابه " الأرض في الميزان " :
: ( إن الأزمة البيئية بلغت اليوم حداً من الخطورة يجعلنا نعتقد أن حضارتنا يجب أن تعتبر بطريقة أساسية مختلة الوظائف ، وأن إحدى القواعد التى تقوم عليها الحضارة مختلة الوظائف هي أنك لا يمكنك مراجعة هذه القواعد أو مناقشتها ) أنظرالأرض في الميزان لآل جور صــ 234 وما بعدها .:.
وبعبارة أخرى هي الحضارة القابلة للفناء أو على أبواب الفناء
ومن قبلهما تنبأ شاعرنا أحمد شوقي بهذه النهاية لمثل هذه الحضارة بقوله :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
الأخلاق هي ما يبني الحضارة وهي ما يهدمها
والمشكلة أن بعضنا يعجب بأخلاقيات هذه الحضارة وبمن سلك طريقها من أذيالها ممن سكنوا في زرايب العلمانية وقطعوا صلتهم بدين الله ، حيث توهموا أن في مزابلهم شيئا من أشباه الصدق أو الفضيلة، والأمانة ، والشجاعة ، وأصبحوا يستشهدون على ذلك بمقولة ساذجة صادرة عن الشيخ محمد عبده يقول فيها إنه وجد في أوربا إسلاما بغير مسلمين وما أظنها صدرت عنه إلا كنفثة مصدور من حال المسلمين ، وما صدرت عنه قاصدا أبعادها التي تصب في تيار العلمانية الأخلاقية !! …. … إن أشباه الأخلاق تلك نابعة في حقيقتها من إدمان الكذب ، الكذب الذي هو رأس الفساد جميعا ، وهو الذي علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن المسلم قد يفعل الكثير من الأخطاء لكنه لا يكذب ، فأية مصداقية وأي صدق أو فضيلة وأية أخلاق تلك التي وقد صدرت عن أسس غير دينية واتجهت إلى غايات دنيوية بحتة : صارت مجرد وسيلة " تجميلية راقية " لممارسة الكذب وتزوير القيم ، وتدنيس الثروة ، واغترار القوة ، في جسد خال من بصيرة الروح ، مكدس بنفايات النفاق ,, مؤذن بالدمار على أبواب الفناء …
ومن ثم فإنها – كما أصبح معروفا – جرت إلى أنواع من المظالم والقلق والاضطراب والصراع والدمار والفساد والتناقض مع البيئة والكون ، لم يشهد العالم لها مثيلا من قبل ، على مستوى الإنسان والطبيعة معا …!!.
يتحدثون عن الصدق أو الفضيلة في المعاملة عند الإنسان الأوربي ، أي صدق أو فضيلة هذه ؟ أي صدق أو فضيلة في حجية الحرب على العراق من اجل أسلحة الدمار الشامل ، وقد بانت الكذبة على الملأ ؟ أي صدق أو فضيلة في حجية هذه الحرب من اجل القضاء على ما يسمى الإرهاب وما صلة إرهاب القاعدة بنظام صدام حسين وقد كان رجلهم في حربه ضد إيران ثم الكويت ؟
أي صدق أو فضيلة في الدعايات الدولية التي أطلقها بوش وماكينته السياسية والإعلامية عن أسلحة الدمار الشامل التي ينتجها العراق وهم يعلمون أنهم كاذبون كما أقر بذلك وزير خارجيته بعد ذلك وهي الكذبة التي أثمرت بعد ذلك قتل مئات الآلاف وتشريد الملايين وتدمير الدولة وتمزيق الشعب
أي صدق أو فضيلة في حجية الحرب من اجل الديموقراطية ؟ بينما جاء تدمير غزة وتجويعها عقابا صريحا لها على ممارسة الديموقراطية في اختيارها لحماس وتهديدا معلنا لها ألا تستعملها مرة أخرى وإلا ..إن عدتم عادت الكرة . !! ؟ ؟
أي صدق أو فضيلة في تسليح شعب سرق الأرض التي استوطنها غصبا منذ خمسة عقود - على الأكثر- تسليحا يغطيه من إخمص قدميه حتى أطراف أنيابه ، ومن سونكي البندقية إلى أسلحة الدمار الشامل .. وتحريم هذا التسليح على شعب سرقت منه تلك الأرض التي هي وطنه منذ خمسة آلاف سنة على الأقل ؟ فإذا حاول أو فكر في تسليح نفسه سارع طغاة الديموقراطية إلى تشريع ما أصبح يسمى الحرب الاستباقية ليضربوه وهو يفكر منبطحا ، قبل أن يعجزوا عن ضربه وهو يقف مجاهدا ؟
أي صدق أو فضيلة في ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين الذي نجده في ساحة العدالة الدولية والحكم بين قطعان اليهود ومجاهدي فلسطين
أي صدق أو فضيلة في تدمير الشعب البوسني والشيشاني والفلسطيني والأفغاني والصومالي لا لشيء إلا كونه مسلما ؟
أي صدق أو فضيلة في نزع سلاح الضعيف وتكديسه في ترسانة القوي ؟ أي صدق أو فضيلة في السكوت عن أسلحة الدمار الشامل بيد دولة اليهود وتحريمها بيد إيران الإسلامية ؟
أي صدق أو فضيلة في معاملات تجارية محسوبة بنتائج الربح والخسارة ؟ أي صدق أو فضيلة في معاملات وظيفية محسوبة بنتائج التوظف والبطالة ؟
أي صدق أو فضيلة في معاهدات دولية محسوبة بإمكانات الخرق والإبطال ؟
أي صدق أو فضيلة في وصفهم حركات التحرير بالإرهاب ،ووصفهم حكومات الإرهاب بالشرعية ؟
أي صدق أو فضيلة في ساسة يصرحون اليوم بما يعرفون أنهم سبنفونه غدا أو بعد ساعة فإذا بهم يصيدون عصفورين بحجر واحد ثم يبيعون كلا في سوق الأوهام ويقبضون الثمن مغموسا بالعار
أي صدق أو فضيلة في قوم يرفعون شعار حب الحياة بينما أيديهم مغموسة في الدماء
أي صدق أو فضيلة في أنواع من الانضباط ليس فيها شيء من الفضيلة أكثر مما في انضباط الآلة والكمبيوتر وأجهزة الروبوت ؟
أي صدق أو فضيلة في وقائع عصابات الجريمة المنظمة ومنها غسيل الأموال وقد أصبحت تكتسب شرعية دولية في ظل التقدم الهائل في النظم المالية والمصرفية والالكترونية العالمية ، وأن حجم غسيل الأموال لهذه العصابات تفاقم على المستوى العالمي حيث تقدر الأموال المغسولة في سنوات التسعينات بنحو سبعمائة مليار دولار سنويا [1].
أي صدق أو فضيلة في دلالة ما أظهرته دراسة أجريت في 30 مدينة كبيرة من مدن الولايات المتحدة أن نسبة الإجرام فيها قد زادت في عام 1989 بشكل ملحوظ ، والتي تتزايد منهجيا … إلى الحروب القائمة بين عصابات المخدرات في هذه المدن ، وأن مدينة واشنطن تفوقت على مدينة نيويورك في الرقم القياسي لعدد القتلى وتحولت إلى عاصمة الخوف [2].
أي صدق أو فضيلة في دلالة ما تشير إليه بعض الإحصاءات من أن أكثر من مليوني عجوز أمريكي يتعرضون للإيذاء ويتخلى عنهم أبناؤهم سنويا ، ويتوقع الخبراء أن تزداد في المستقبل حالات المسنين الذين يتعرضون للإيذاء بعد أن تتجاوز أعمارهم خمسة وستين عاما ، وأن نحو نصف المسنين الأمريكيين يتعرضون للإيذاء و يضطرون لدخول المستشفى نتيجة لذلك ، وغالبا ما يكون الأبناء هم المتسببين [3].
وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما يشير إليه التقرير الذي نشر في لندن محذرا من أن حوالي نصف مليون شخص عجوز في بريطانيا معرضون للاعتداء الجسماني أو العقلي ، وقالت جمعية طب الشيخوخة البريطانية أن إيذاء المتقدمين في السن موجود لدى جميع الطبقات الاجتماعية من جميع الأعمار والشخصيات ولكنه بالرغم من انتشاره الواسع لا يلقى اهتماما من الجمهور ، وقالت الجمعية التي تمثل 1500 طبيب لأمراض الشيخوخة أن الإيذاء يتخذ العديد من الأشكال بما في ذلك الاعتداء المباشر والحرمان من الطعام أو الدواء أو الاستفزاز[4] .
أي صدق أو فضيلة في دلالة نتائج دراسة نشرتها مجلة إيسكوير في عدد يونيو 1990 أظهرت أن 50 % من الرجال الذين شملهم استطلاع خاص قالوا إن لهم علاقات مع نساء غير زوجاتهم ، في حين قالت 65 % إنهن يعتقدن بان ليس لأزواجهن علاقة مع أحد غيرهن ، وأن 35 % من النساء اللاتي تم استطلاع آرائهن قلن إنهن خدعن أزواجهن بالفعل [5].
أي صدق أو فضيلة في تدمير الأسرة بدعوى الحرية والوصول بها إلى الأسرة الأحادية بين الطفل والأم أما الأب فقيد " مجهول " وأما الطفل فيتم شراؤه أو تبنيه
أي صدق أو فضيلة في دلالة ما أوضحته إحصائية أجراها مركز الدراسات الوطني بفرنسا ونشرتها صحيفة " لو فيجارو " أن طفلا من كل ثلاثة يولد في فرنسا خارج عقد الزواج ، وأن عدد النساء اللاتي يقمن بتربية أولادهن وحدهن دون أب تضاعف إلى الضعف ، أي ما يعادل مليون امرأة في عام 1993 مقابل خمسمائة ألف امرأة في عام 1968 .[6]
وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما نشرته جمعية الطفولة الفرنسية في تقريرها لعام 1989 من أن حوالي 45 ألف طفل فرنسي يتعرضون لاعتداءات وحشية تؤدي في أحيان كثيرة إلى الموت ، وأن 57% من الاعتداءات تقع على أطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وتسع سنوات ، غالبيتهم من الإناث ، وأشار التقرير إلى أن أولياء الأمور هم الفاعلون الأصليون في 75 % من هذه الاعتداءات [7].
وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما قدمته دراسة أعدها مجلس من رؤساء المنظمات الحية والتجارية في أمريكا أن مئات الألوف من المراهقين من الجنسين في الولايات المتحدة الأمريكية يعانون من تفشي عادة تعاطي المخدرات ، وأمرض تناسلية ومشاكل عاطفية ، وحمل غير مرغوب به عند الإناث أدت بالكثير منهم إلى الرسوب في الدراسة والانتحار . وأفادت بأن الإحصاءات تؤكد أن حوالي مليون مراهقة أمريكية أي ما يعادل واحدة إلى عشرة مراهقات في المجتمع الأمريكي يتورطن بحمل غير مرغوب فيه ، كل عام ، كما أن 2.5 مليون من المراهقين والمراهقات يصابون بأمراض تناسلية خطيرة نتيجة تفشي الإباحية ، وأضافت بأن معدل الانتحار بين فئة هذا الجيل تضاعف منذ عام 1968 وأن 10% من الذكور المراهقين و 20 % من المراهقات يحاولون الانتحار كوسيلة للتخلص من مشاكلهم الصحية والعاطفية والاجتماعية .
وأي صدق أو فضيلة في دلالة الدراسة التي ذكرت أن العنف أصبح جزءا لايتجزأ من الحياة اليومية للكثير من المراهقين الأمريكيين ،و أن 135 طالبا وطالبة يحضرون أسلحة معهم إلى المدرسة بصفة يومية[8].
وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما ذكرته دراسة نشرتها جريدة الشعب المصرية من أنه قد أصبحت المسيرات التي ينظمها الشواذ بنوعيهما من أحل الحصول على مزيد من الحقوق الاجتماعية من التقاليد المتبعة في باريس منذ عام 1980 ، وقد تم الاحتفال في عام 1995 بالحركة المسماة " مفخرة الشواذ " في خمس مدن كبرى قامت بالإعداد لها مائة وخمس وعشرون منظمة من منظمات الشواذ وجمعياتهم ، وتفاوت حجم المظاهرات من بضع مئات في مرسيليا ونانت ليصل عددهم عددهم إلى عشرين ألفا في باريس ، وذلك بخلاف مدينتي تولوز و مونبلييه ، أما في الولايات المتحدة فيرجع تاريخ هذه الاحتفالات إلى عام 1969 حينما قامت إحدى دوريات البوليس بمداهمة حانة " ستونوول " في حملة تفتيشية إلا أن الشواذ في ذلك المساء قد رفضوا الإذعان لهجمة رجال البوليس ، وقاوموهم بشدة ليتحول الأمر إلى مظاهرة واعتصام امتد لمدة ثلاثة أيام .. وكان ذلك بمنزلة مولد الحركة المسماة " مفخرة الشواذ " وإعلان فرض ظهور المنحرفين من الأقبية والحنايا المستترة لينبثقوا في وضح النهار !! وسرعان ما امتدت هذه الحركة هذه الحركة - كما تقول الدكتورة زينب عبد العزيز في دراسة نشرتها جريدة الشعب - إلى مختلف العواصم الأوربية في برلين وبوتسدام وبرشلونة ومدريد وأيدنبرج ولندن وكوبنهاجن وستوكهولم وبوينس ايرس ، وجوهانسبورج ن ومن المخزي - كما تقول الدكتورة زينب - أن نطالع ماورد بمجلة " نوفيل أوسرفاتير " الصادرة في 22 يونيو 1995بالتفصيل الممل وعلى مدى تسع صفحات ماوصل إليه هؤلاء المنحرفون من سلطان في البلاد الأمريكية بحيث أصبحوا يكونون مركز ضغط لايستهان به بعد أن أصبخت لهم جماعاتهم العلنية في المدن الكبرى ، بل وأصبحت لهم أحياء باسرها مثلما في مدينة سان فرانسسكو[9] !
وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما جاء في تقرير أعدته نائبة أوربية عن بعض الجهات بالوقوف وراء تصاعد ظاهرة المتاجرة بالرقيق في بلدان الاتحاد الأوربي ، وذكر التقرير أن حجم هذه التجارة وصل إلى 500 ألف فتاة وامرأة يجلب معظمهن من دول الاتحاد السوفيتي السابق . ورفعت النائبة عن حزب العمال البريطاني سوزان واديكست إلى البرلمان الأوربي تقريرا عن ذلك يبين تصاعد حجم تجارة الرقيق خلال سنة واحدة فقط بمقدار الضعف تقريبا علما بأن الحجم الفعلي لهذه الممارسة لايزال خفيا [10].
وعلى مستوى المذابح الكبرى أي صدق أو فضيلة في دلالة ما اعترف به الاتحاد السوفيتي لأول مرة بتاريخ 13 \ 4 \ 1990 بمسئوليته عن مذبحة كانتين التي راح ضحيتها 15 ألف ضابط ومواطن بولندي ، والتي ارتكبتها قوات البوليس السري السوفيتية في عام 1940 في منطقة كانتين بغرب الاتحاد السوفيتي [11].
وفي
























