|
بسم الله الرحمن الرحيم
1
بسم الله الرحمن الرحيم
نزيف النقاب بين يدي الكبار
بين طنطاوي ومرقص فهمي ، وعلي جمعة وقاسم أمين ، ومستر دريك والمجمع،
والأميرة نازل ي وسعد زغلول وهدى شعراوي…
بقلم
أد : يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
|
جاء بجريدة " المصري اليوم " بتاريخ 9 \11\2009 أن الشيخ علي جمعة صرح في لقاء بجامعة المنصورة 8\11\2009 : أن النقاب ( عادة وليست عبادة ) ، وقد رددنا باختصار على هذا الهراء من قبل : بأن كل عادة ما لم تكن معصية تصير عبادة بنية التوجه بها إلى الله حتى ( في بضع أحدكم .. )كما جاء في الحديث الصحيح ويشرح بعض العلماء ذلك إذ ينصح المسلم بأن يتناول ( … بعض الشهوات المباحة لمداواة نفسه إذا نفرت من العبادات بالكلية ، فإن لسان حال النفس تقول لصاحبها :كن معي في بعض أغراضي وإلا صرعتك ) .
ولكن عليه - في الوقت نفسه - أن يحول هذه المباحات التي يتناولها إلى طاعات بأن ( ينوي بجميع المباحات خيرا ليثاب على ذلك ) .
ويضرب الأمثلة لذلك : فينوي بالنوم في القيلولة التقوى على قيام الليل ، وينوي بلباس الثياب الفاخرة إظهار نعمة الله عليه ، وكذلك يأكل اللذيذ من الطعام الحلو ومن الشارب البارد ، لأجل استجابة أعضائه ، ليشكر الله تعالى بعزم .
ولكن الشيخ علي جمعة أضاف مستزيدا – لا فض فوه - : أن النقاب اعتداء على حرية الآخرين مستشهدا هذه المرة بمرجعية له في الغرب … بالمؤلف المسرحي شكسبير أنه ( عندما جلس بجواره أحد الأشخاص قام بوضع أصبعه فى أنف شكسبير، فقال له شكسبير ماذا تفعل، رد عليه هذه حريتى، فقال له حريتك عند طرف أنفى، وليس داخل أنفى )– - فلله دره من إفتاء أسطوري شكسبيري ، يستحق أن يخصص له قسم في كليات الشريعة في العالم الإسلامي ، ومن المستحسن أن يبنى في بدايته على نابغات فكر المفتي الكريم ، أما نحن فليس لنا كبير خبرة بالجدل حوله .!!
ثم استزاد سيادته من مصادره من الشرق !! أن النقاب " محرم بتحريم الرسول صلى الله عليه وسلم لكونه " ثوب شهرة " ولعله يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم :
( ما من عبد لبس ثوبشهرة إلا أعرض الله عنه حتى ينزعه ) الراوي: أبو ذر الغفاري المحدث: العراقي - المصدر: تخريج الإحياء - \ الدرجة: إسناده جيد
( من لبس ثوبشهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه نارا الراوي: - المحدث: المنذري - المصدر: الترغيب والترهيب - الدرجة: إسناده حسن عند الألباني
من لبس ثوبشهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة
الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد - خلاصة الدرجة: إسناده صحيح
المصدر : موقع علوي بن عبد القادر السقاف : الموسوعة الحديثية \ الدرر السنية
ونحن نسائل شيخ المفتين : أيكون في اعتقاده أن ما يسميه ثوب شهرة محرما على وجه العموم ؟
فإن لم يكن على وجه العموم فالقائلون بوجوب النقاب لديهم حجة في لبسه خوف الفتنة ، وحجة في فهمهم للآية ( … يدنين عليهن من جلا بيبهن ولا يبدين زينتهن .. ) وللحديث الموجب لكشف الوجه في إحرام النساء مما يعني أنهن يسترنه في غير الإحرام ، وللحديث المروي عن السيدة عائشة وقد جاء في بداية المجتهد لابن رشد ، وفي غيره ففي بداية المجتهد لابن رشد أنهم (أجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها ) أي كشفه لكن ( لها أن تسدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها كنحو ما روي عن عائشة أنها قالت " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن محرمون فإذا مر بنا ركب سدلنا على وجوهنا الثوب من قبل رءوسنا ، وإذا جاوز الركب رفعناه ") بداية المجتهد ص 327 ط دار المعرفة بلبنان ج 1 ط و( عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت كنانخمروجوهناونحنمحرماتونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق )الراوي: فاطمة بنت المنذر المحدث: الألباني - المصدر: إرواء الغليل خلاصة الدرجة: إسناده صحيح
أما إن كان تحريم ثوب الشهرة هو عند شيخ المفتين العصريين : على وجه العموم فهو قادح في الحجاب بقدر أقوى من قدحه في النقاب ، فهل شيخ المفتين يحرمه في الحجاب
كذلك فللسائل أن يسأل شيخ المفتين المحدثين : لم إذن لا يتجه بهذه الفتوى في ثوب الشهرة الى الخليعات اللاتي يستوردن آخر الموديلات الغربية الخليعة وهي اصلا للتباهي باقتنائها قبل أن تلبسها أخريات ؟ أليس هذا هو المعنى الدقيق لثوب الشهرة ؟ أم ان النقاب كثوب شهرة في اعتقاده أكثر حرمة من تحريم الكيل بمكيالين الوارد في قوله تعالى " ويل للمطففين ؟أم أن التحريم في راي المفتي لا يتجه إلى الناس اللي فوق ؟
وكيف يكون النقاب ثوب شهرة لمن اختفت وراءه : ثوبا ووجها ويدا ؟ أي شهرة في هذا النقاب لهذه المتخفية وبخاصة أنها تلبسه ضمن عشرات الآلاف راجية أن يعم جميع الإناث في جميع البلاد ؟ أية شهرة هذه ؟ ثوب خفية أم ثوب شهرة ؟
ثم نتساءل : ألست يا شيخ الفتوى تلبس زيا تشتهر به حين تلبسه أنك – كما هو المفترض – من رجال هذه الوزارة " العدل " و هذا الأزهر " الذي يسمح لك بأن تفتي ؟ ولغيرك ممن يلبسونه أن يفعلوا فعلتك أو شيئا مثل فعلتك ؟
ماذا تقول في ملابس الإحرام أليس يعلن الثوب أن لا بسه محرم ؟
وما ذا تقول في حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على التميز في ملابس المسلمين عن غيرهم من أتباع الديانات الأخرى في قوله صلى الله عليه وسلم ( (خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب ) رواه الستة
وفي قوله صلى الله عليه وسلم (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ) رواه الستة أيضا
وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس .) رواه الترمذى وأبو داود .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم .)رواه أبو داود عن شداد بن أوس عن النبى صلى الله عليه وسلم
وما ذا تقول في ملابس الفئات بأنواعها مابين القوات المسلحة من المشاة والبحرية والطيران والشرطة بأنواعها ، والمرور بأنواعه ، والقضاء بدرجاته ، والجامعات والمدارس والنوادي الرياضية بانواعها وغير الرياضية بأنواعها ، والمصانع بأنواعها كذلك ، أليست ثوب شهرة تعلن من يكون لا بسها لمصلحة مشروعة ؟
وماذا في إمكانك أن تقوله تبريرا لهؤلاء ولا يصلح تبريرا للابسات النقاب وهن ينشدن المشاركة فيه والستر به ؟ مما لا يتفق مع معنى الشهرة الوارد تحريمه في الحديث ؟
ألا تحتاج فتواك إلى إعادة طرح مابين العام والخاص والمحكم والمتشابه وجلب المصلحة ودرء المفسدة وأصول الفقه بتفريعاته ؟
ياناس أهكذا تلقى الفتوى على قارعة الطريق ؟
وفي هذا السياق البئيس كتب مجدي رشيد بجريدة (المصريون): أنه ( أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر قرارًا بحظر تداول كتاب بعنوان "معركة الحجاب والسفور" للدكتور محمد أحمد إسماعيل المقدم والذي يؤكد وجوب ارتداء النقابوعدم جواز كشف وجه المرأة وبخاصة في بعض الحالات التي من أهمها إذا كان وجهها مثيرًاللفتنة): بتاريخ 14 - \10\2009 المصدر : الشبكة العنكبوتية ومنها موقع موقع منتديات الجزيرة..
ويتضمن الكتاب رصدا لمعركة الحجابفي مصر ودور الحركات العلمانية للقضاء على الحجاب حتى تكون المسلمة صورةمكررة من نظيرتها في الحياة الغربية الحديثة ، كما يرصد عودة حجاب المرأةالمسلمة بقوة في كافة أنحاء العالم الإسلامي ، ويتضمن انتقادا علميا فقهيا شاملا لأفكار قاسم أمين وكتابيه "تحرير المرأة" و " المرأة الجديدة " ومن لف لفه وينتهي إلى وجوب ارتداء النقاب،
ونقدم في هذا المقال اختصارا لما قدمه الكتاب عن معركة الحجاب وعودته في الجزء الأول : يبين كيف نبت " قاسم أمين " ، وكيف أثمر ، وكيف انتصر له بعض ذيول الغزو الفكري ، وكيف قيض الله له من يفنده ، …….. وإن انتصر له مجمع البحوث – حسب ما نشر أخيرا !! – ضد المؤلف !!
ونعبر هنا عن دهشتنا لموقف المسئولين بالمجمع من الكتاب ، ولقد تمنينا لو أن المجمع تعرض للكتاب بالنقد العلمي بما يتوازى مع علمه وفقهه وإحاطته .
وليس يمنعنا ذلك من أن نبادر هنا إلى تسجيل رأينا بمخالفة المؤلف في " إيجاب " النقاب ، كما نسجل صدمتنا فيما نسبه خطأ إلى الأستاذ الجليل الشيخ محمد الغزالي – يرحمه الله - من قول لقائل هو لغيره ، وحذف تعليق الشيخ عليه ، وسوف نذكر ذلك بالتفصيل في نهاية المقال .
ونستسمح المؤلف كما نستسمحكم في أن نقدم باختصار بعض ثمرات الكتاب – لتعم بها الفائدة بعد مصادرته - وهو يطوف بنا بأطراف المشكلة وحلوها ومرها وأبعادها وتاريخها وسدنتها بدءا من مرقص فهمي إلى .. ما الله به أعلم
جذور قاسم أمين
مرقص فهمي والقذيفة الأولى :
في سنة (1894)- بعد الاحتلال الإنكليزي لمصر بحوالي اثنتي عشرة سنة - ظهر في مصر كتاب ( المرأة في الشرق ) أصدره ( مرقص فهمي ) المحامي من أولياء (اللورد كرومر) أظهره محتمياً بالنفوذ البـريـطـانـي ، دعا فيهصراحة وللمرة الأولى في تاريخ المرأة المسلمة إلى تحقيق أهداف خمسة محددة وهي
أولاً : القضاء على الحجاب الإسلامي .
ثانياً : إباحة اختلاط المرأة المسلمة بالأجانب عنها .
ثالثاً : تقييد الطلاق وإيجاب وقوعه أمام القاضي .
رابعاً : منع الزواج بأكثر من واحدة .
خامسا : إباحة الزواج بين المسلمات والأقباط .
وهي المطالب نفسها التي يطالب بها بعض رموز الأقباط في مصر اليوم بدءا من مرقص فهمي مرورا بقاسم أمين وصولا إلى موريس صادق … ويزيدون عليها مطلبهم بتعديل الدستور بحذف المادة الثانية منه
ثم صدر كتاب ألفه ( الدوق دراكير ) وكان داركير قد زار مصر ثلاث مرات سائحاً عابراً في خريف عام (1893م) . بعنوان (المصريون) حمل فيه على نساء مصر وهاجم المصريين وتعدى على الإسلام ونال من الحجاب الإسلامي ، ومن قرار المرأة المسلمة في البيت ، واقتصار وظيفتها على تربية النشء ، ورعاية الزوج ، وقد هاجم (المثقفين) المصريين بصفة خاصة لسكوتهم وعدم تمردهم على هذه الأوضاع .
وقد أحدث الكتابان – مرقص ودراكير - ضجة كبيرة ، فبدأ الاستعمار الإنكليزي يبحث عن وسيلة لشد أزر"مرقص فهمي" فلم يجد بالطبع من يرتكب ذلك من رجال الأزهر الملتزمين - فلجأ إلى الأميرة [ نازلي فاضل ] وهي ابنة الأمير " مصطفى فاضل " باشا نجل " إبراهيم " باشا ابن " محمد علي " باشا الكبير كان والدها مصطفى يستعجلها لعمل شيء يساند"مرقص فهمي" من خلال صالونها [ : نقلا من كتاب المقدم ومصدره : الحركات النسائية في الشرق " لمحمد فهمي عبد الوهاب ص ( 13- 14 ) طبعة دار الاعتصام . ]
ومن هذه الجذور التي جمعت بين مرقص ودراكير وكرومر !!! يتبين أن المسالة لم تكن بخصوص المرآة بالذات وإنما كانت هي المدخل إلى ضرب عدوهم الأساسي وهو الإسلام أو لنقل : الثقافة الإسلامية قي مواجهة الثقافة المسيحية التي تدين – في تقديري - بمثل مذهب المرجئة أنه لا تضر مع " المحبة معصية " !! ، كانت المرأة هي الباب وهي الضحية الأولى كما كانت الإسكندرية من قبل
كانت دعوة تحرير المرأة إذن جزءاً من منهج كلي شمل كافة اتجاهات الحياة في المجتمع المصري وعقائده وتقاليده وتكويناته الأسرية والاجتماعية والسياسية
فضلا عن كونها – في تقديري كذلك - شديدة التضليل بما أخفته من محتوى رأسمالي استهدف إغراق سوق العمالة واستغلالها وامتصاص قواها ، ثم بما أدت إليه مما كشفت عنه بعد من عذاب المرأة اليوم في تراكم المسئوليات غير المتكافئة عليها ، والمنافسة غير العادلة ، وتضاعفها وتعرضها لما لا تطيق من أشد أنواع الأذى والإرهاق : في الشارع والمترو والمكتب والمصنع والمعسكر إلخ ، فضلا عن نار العنوسة التي اضطرت إليها بانصراف الشباب عن الزواج ومن أهم أسبابه : تصبره بالاتصالات الممهدة بين الجنسين : خارج عقد الزواج ، وانتشار الزواج السري ، مع سهولة الحرام منه مقابل صعوبة الحلال ، وأنى للمرأة أن تخرج اليوم من هذا المأزق الذي أقحمت عليه أو أقحم عليها.
وهذا هو التلميذ النجيب - هذا ( قاسم أمين ) يقوم بدور أستاذه - مرقص فهمي - بالدعوة إلى ما يسميه "تحرير المرأة"
وللإنصاف فلقد كان لمحمد عبده دور بارز في المشكلة ، ومن الإنصاف ايضا أن " محمد عبده " كان يريد أن يقيم عائقاً في وجه التيار العلماني اللاديني من خلال مد الجسور معه !!! ليحمي المجتمع الإسلامي من طوفانه ، ولكن الذي حدث أن هذا العائق أصبح قنطرة للعلمانية : عبرت عليه آمنة إلى العالم الإسلامي لتحتل المواقع واحداً تلو الآخر ثم جاء فريق من تلاميذ"محمد عبده " وأتباعه فدفعوا نظرياته واتجاهاته إلى أقصى طريق العلمانية .
الخطوة الأولى :
وفي البداية وقبل أن يتطور قاسم أمين ليصل إلى كتابه " تحرير المرأة " ثم " المرأة الجديدة " كان قد ألف كتابه الذي تنكر له فيما بعد " المصريون " الذي استنكر فيه سفور بعض السيدات المصريات اللائي يتشبهن بالأوربيات ، فاقتنص بعض خصومه الفرصة ووشوا به إلى الأميرة نازلي فاضل ، بأن قاسماً إنما يعنيها هي بهذا التعريض : بذم المصريات اللائي يقلدن الإفرنجيات ويسرن سيرتهن ، لأنه لم يكن في نساء مصر آنذاك من يتشبه بالنساء الأوربيات غيرها
لاحظ - عزيزي القارئ - أن احتجاب النساء كان هو الوضع السائد –- في مصر قبل دعوات خلع النقاب والحجاب على يد قاسم ومرقس فهمي ودراكير وسعد وكرومر وهدى شعراوي ودرية شفيق وسيزانبراوي وما اشبه – وبالطبع قبل ظهور فرية ما يسمى زحف أموال البترول على مصر ، وزحف الظلامية الوهابية إليها ، و غلبة ثقافة الجزيرة العربية والبداوة عليها : طبعا دون استحياء من مساس ذلك بظهور الإسلام نفسه فقد جاءنا ولله الحمد من هناك !!
فقد كانت الأميرة نازلي صاحبة صالون علية القوم آنذاك الوحيدة التي تختلط بالرجال وتجالسهم في صالونها الذي افتتحته ليكون مركزاً تبث منه الدعوة إلى التغريب عامة وإلى ما يسمى "تحرير المرأة" خاصة. { وكان من رواد هذا الصالون سعد زغلول والشيخ محمد عبده واللقاني ومحمد بيرم وغيرهم ، وكانت نازلي تساند هؤلاء في قصر الدوبارة ، وهو مقر المندوب السامي الإنكليزي ضد الخديوي في قصر عابدين ، وكانت قد افتتحت هذا المنتدى إثر عودتها إلى مصر بعد الاحتلال ، وبعد أن قويت روابطها مع اللورد كرومر ، واتخذت من المعتمد البريطاني أداة لحماية رواد هذه الدعوة وتعبئتهم لتوجيه هذه الحركة متى أمكن ذلك } اهـ [المصدر المقدم نقلا من ( الأخوات المسلمات ) ص 240 وما بعدها ، و( الحركات النسائية في الشرق ) ص 15 ، : ومن مقال لداود بركات رئيس تحرير الأهرام ( جريدة الأهرام مايو 1928 ( مقالة داود بركات في عدد الأهرام الخاص بمرور 75 عاماً على تأسيسه ] .
وقد غضبت الأميرة مما فعله قاسم أمين في كتابه المصريون و هددت وتوعدت وتم الإيعاز إلى جريدة ( المقطم ) لسان حال الإنكليز في مصر في ذلك الوقت – أن تكتب ستة مقالات تتعقب آراء قاسم أمين في " المصريون " وتفند أخطاءه في دفاعه عن الحجاب واستنكاره الاختلاط بين الجنسين !! ، ولكن لم تلبث هذه الحملة أن ألغيت بعد أن اقتنع قاسم أمين بضرورة تصحيح خطئه !!!!! ، وفقا لما اتفق عليه مع ( سعد زغلول ) و( محمد عبده ) بأن ينشر كتاباً يصحح فيه خطأه، ويؤيد فيه الدوق دراكير ، ويواصل مناصرته لكتاب ( المرأة في الشرق ) للقبطي ( مرقص فهمي )
وهكذا خرج قاسم أمين على البلاد بكتابه " تحرير المرأة " سنة ( 1899 م) ودعا فيه إلى نفس ما سبق أن دعا إليه مرقص بحذافيره إلا أنه لم يتعرض لمسألة زواج المسلمات من الأقباط .
وقد نقلت " هدى شعراوي " في مذكراتها المنشورة بمجلة ( حواء ) العدد رقم ( 1221 ) بتاريخ 16 فبراير 1980م عن الشيخ عبد العزيز البشري أنه قال في احتفال بذكرى قاسم أمين : (… إن قاسماً كان في مبدأ حياته من الرجعيين حتى أنه لما رد على الدوق دراكير دافع عن الحجاب واستنكر السفور فظنت الأميرة نازلي فاضل – وكان مجلسها يجمع العلماء والفضلاء أمثال محمد عبده وسعد زغلول وعبد الكريم سلمان وفارس نمر ويعقوب صروف والمويلحي وأبنه – أنه يقصدها فغضبت لذلك ، ولكن سعداً قدم صديقه إليها ، ولما رأى شدة عقلها ورجاحة حلمها ووثاقة فضلها انقلب عن رأيه وأخذ يطالب بتحرير المرأة !!!!) اهـ
كتب ( فارس نمر ) صاحب ( المقطم ) في مقال له في مجلة ( الحديث ) الحلبية عام 1929 م يقول :
( إن الشيخ محمد عبده تطوع للقيام بمهمة - إيقاف مقالات الهجوم على " قاسم أمين " في هجومه على السفور في كتابه " المصريون " — وتحدث الشيخ محمد عبده مع الأميرة "نازلي" في هذا الشأن واتفق "محمد عبده" و"سعد زغلول" و"محمد المويلحي" وغيرهم على أن يتقدم "قاسم أمين" بالاعتذار إلى سمو الأميرة ، فقبلت اعتذاره ، ثم أخذ يتردد على صالونها وارتفع مقامها لديه ، وإذا به يضع كتابه الأول عن المرأة ) اهـفي كتابه " تحرير المرأة "
تلك هي بصمات تحالف النساء والأقباط في تحوير المرأة من أصولها بزعم التحرير .. تقوم الأميرة نازلي فاضل بدور الملهم في تدوير كبار الرءوس !!!
طبع كتاب " تحرير المرأة " في سنة 1899م وقد ألغى فيه أفكاره التي أوردها في كتابه السابق ( المصريون ) بل لم يحاول نقل كتابه ( المصريون ) إلى اللغة العربية ولا إعادة إصداره في مصر )
وقد تناول في كتابه هذا أربع مسائل وهي :الحجاب ، واشتغال المرأة بالشئون العامة ، وتعدد الزوجات ، والطلاق وذهب في كل مسألة من هذه المسائل إلى ما يطابق مذهب الغرب زاعماً أن ذلك هو مذهب الإسلام – وقال : ( سيقول قوم إن ما أنشره اليوم بدعة ، فأقول : نعم ! أتيت ببدعة ولكنها ليست في الإسلام بل في العوائد … ) [ تحرير المرأة " ص ( 5) ط محمد زكي الدين بالقاهرة 1347 هـ ] .
ثم يقول
إن الشريعة ليس فيها نص يوجب الحجاب … ) وإنما هي في زعمه
عادة عرضت لهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات المصدر السابق " ص ( 57 – 58 ) .
نقول : أليست هذه الافتراءات هي ما يردده الببغاوات اليوم ضد النقاب وهو ما نطق به الشيخ طنطاوي ومرقص فهمي والشيخ علي جمعة: أنه ليس من الإسلام في شيء وأنه ( عادة وليست عبادة )
ويتظاهر قاسم أمين في بعض المواضع بمظهر المسلم الغيور على دينه بينما يتخلى عن هذا القناع في مثل قوله :(( في البلاد الحرة قد يجاهر الإنسان بأن لا وطن له ويكفر بالله ورسله ويطعن على شرائع قومه وآدابهم وعاداتهم … يقول ويكتب ما شاء في ذلك ولا يفكر أحد أن ينقص شيئاً من احترامه لشخصه متى كان قوله صادراً عن نية حسنة واعتقاد صحيح ( !!!! ) كم من الزمن يمر على مصر قبل أن تبلغ هذه الدرجة من الحرية ؟ )) ا هـ من ( قاسم أمين – الأعمال الكاملة ) ( 1 / 165 ) . " تحرير المرأة " ص ( 68 )
نقول : ها قد مر أكثر من مائة عام لكي يتحقق - للأسف - بعض ما كان حينذاك حلما عند قاسم وكابوسا عند الغيورين على دين الله
وبعد فهل كان للشيخ " محمد عبده " ( 1842 – 1905 م ) دور في الكتاب ؟
يقول الدكتور " محمد محمد حسين" :
( جاء كتابه – تحرير المرأة – مملوءاً بالمغالطات سواء كان ذلك في تفسير الآيات القرآنية أو في النصوص التاريخية والفقهية أو الأدلة العقلية وهذا الاتجاه الذي يفسر النصوص تفسيراً جديداً مخالفاً لكل ما هو ثابت متواتر في تفسيرها هو جزء من اتجاه عام تزعمه الشيخ " محمد عبده " متذرعاً إليه بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الذي زعم أن الفقهاء أغلقوا بابه ، وهو يدعو إلى الملاءمة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية ) [نقلا عن" الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر " ( 1 / 281 – 282 ) للدكتور محمد محمد حسين رحمه الله ..]
و يجزم د / محمد عمارة بهذه النسبة بين قاسم ومحمد عبده وهو يعدد إنجازات الشيخ محمد عبده : ( ومن أبرز أعماله الفكرية في هذه المرحلة … الفصول التي شارك بها في كتاب " تحرير المرأة " لقاسم أمين سنة 1899 م ) [ نقلا عن " الإسلام والمرأة في رأي الإمام محمد عبده " ص 138 . ]
وقال الدكتور السيد أحمد فرج : ( وقد بالغ بعض الكتاب فرأى أن فصولاً كاملة بنصوصها في كتاب " تحرير المرأة " كتبها الشيخ محمد عبده من إنشائه وهي الفصول الآتية :
1 – حجاب النساء من الجهة الدينية ص ( 59 – 72 )
2 – الزواج ص ( 123 – 132 )
3 – تعدد الزوجات ص ( 133 – 140 )
4 – الطلاق ص ( 141 – 164 )
( محمد عمارة – الأعمال الكاملة " لمحمد عبده " 2/ 105- 129 بيروت 1972 )
الخطوة الثالثة :
كتاب (المرأة الجديدة)
لم يلبث كتاب (المرأة الجديدة ) أن ظهر في العام التالي ليكشف في جرأة وصراحة بعد كتاب ( تحرير المرأة ) أن مؤلفه قاسماً كان يضمر في نفسه شيئاً فأبرزه في كتابه الثاني " المرأة الجديدة " التي كانت – بالفعل – امرأة " جديدة " مغايرة تماماً لتلك التي رأيناها في كتابه الأول " تحرير المرأة " .
وبينما كنت تراه هادئاً في كتابه الأول يحوم حول النصوص الإسلامية أخذ في الكتاب الثاني يسلط حمم غضبه ويستعمل عبارات قاسية في التعبير عن رأيه ، فهو لا يقبل - بزعمه - ( حق ملكية الرجال للنساء ) ويرى ترك حرية النساء للنساء ، حتى ولو أدى الأمر إلى ( إلغاء نظام الزواج حتى تكون العلاقات بين الرجل والمرأة حرة لا تخضع لنظام ولا يحددها قانون ) [ نقلا عن " مبادئ السياسة والأدب والاجتماع " لأحمد لطفي السيد ص ( 173 ) – كتاب الهلال 1383 هـ - 1963 م]
و ( المرأة الجديدة ) التي قصدها " قاسم أمين " هي المرأة الأوربية التي أراد من المصرية أن تتحول إليها وتتخذها مثلاً أعلى . قال " قاسم " :
( .. كل ما نقصد وغاية ما نسعى إليه هو أن تصل المرأة المصرية إلى هذا المقام الرفيع وأن تخطو هذه الخطوة إلى سلم الكمال ، وأن تكون مثلها تحرراً ، فالبنات في سن العشرين يتركن عائلاتهن ويسافرن من أمريكا إلى أبعد مكان في الأرض وحدهن ، ويقضين الشهور والأعوام متغيبات في السياحة ، متنقلات من بلد إلى أخرى ، ولم يخطر على بال أحد من أقاربهن أن وحدتهن تعرضهن إلى خطر ما ، وكان من تحررها أن يكون لها أصحاب غير أصحاب الزوج ، والرجل يرى أن زوجته لها أن تميل إلى ما يوافق ذوقها وعقلها وإحساسها ، وأن تعيش بالطريقة التي تراها مستحسنة في نظرها ) " آثار باحثة البادية " ص ( 274 ) . قائلا : ( إن العفة تكتسب بمنح الحرية للمرأة) !!.ص 75
نقول : أليست هذه دعوة إلى التيوسة وإخفاء مقصودا لما عليه حال الغرب فعلا من ضياع الأنساب والاستهتار بها ، ألم يقرا أدب الخيانة والعشق وواقعية الفجور في ذرى الأدب الغربي المعاصر وقصور الملوك والأباطرة ، ونداءات حرية الجنس ، وفضائح النوادي ، واركان الحدائق ، وأخبية الشوارع ، و حانات السهرات اللطيفة ؟! ، وهو بالطبع لم يكن يدري أن دعوته تلك - بعد تطبيقها – سوف تثمر تجارة صينية رائجة في قطع ترقيع غشاء البكارة المهدورة بإمضائه .. ، وفتاوى للعائلات والفتيات بحلها بدعوى الستر على الأعراض ؟!! ؟
وأوغل قاسم أمين بأن طلب من المصريين أن يتخلصوا مما وقر في أنفسهم من أن عاداتهم هي أحسن العادات وأن ما سواها لا يستحق الالتفات ص ( 75)
ويقول في موضع آخر : ( إننا قد ورثنا الصورة التي كوناها عن المرأة من العرب الذين قامت حياتهم - حسب زعمه - على الغزو والنهب ، ومن ثم لم يكن فيها للمرأة نصيب ، ثم لم يكن لها نصيب في تربية الولد ، لأن تربيته كانت مقصورة على تغذية جسمه ، ليشب مقاتلاً لا عالماً فاضلاً ، وصورة المرأة هذه التي ورثها المسلمون عن العرب - حسب زعمه - قد تكون صحيحة بالقياس إلى الماضي ولكنها مزورة إذا نظرنا إلى الحال والمستقبل ) اهـ " المرأة الجديدة " ص ( 70 – 71 ) .
وقام "قاسم أمين بالرد على معارضيه " الذين يرون أن نهضتنا يجب أن تعتمد على تراثنا القديم وعلى حضارتنا الإسلامية وحدها ، رد على ذلك بأن ( الحضارة الإسلامية قامت على دعامتين : الأساس الديني الذي كون من القبائل العربية أمة واحدة ، والأساس العلمي الذي ارتفعت به الأمة الإسلامية وآدابها ) ثم يزعم أن العلم وقت ذاك كان ضعيفاً في أول نشأته وكانت أصوله ضرباً من الظنون التي لم تؤيدها التجربة ، ولذلك كانت قوة العلم ضعيفة بجانب قوة الدين ، فتغلب الفقهاء على رجال العلم ووضعوهم تحت رقابتهم ، وزجوا بأنفسهم في المسائل العلمية ينتقدونها ويفتون بمخالفتها لنصوص القرآن والحديث التي يؤولونها ، وبذلك حملوا الناس ( حسب زعمه ) على إساءة الظن بالعلم ، فنفروا منه وهجروه وانتهى بهم الأمر إلى الاعتقاد بأن العلوم جميعاً باطلة ، إلا العلوم الدينية نفسها : إنها يجب أن تقف عند حد ، لا يجوز لأحد أن يتجاوزه ، ثم تقدمت العلوم وظهرت المكتشفات الحديثة ، واستطاع العلم أن يشيد بناء لا يمكن لعاقل أن يفكر في هدمه وتغلب رجال العلم على رجال الدين )
وينتهي " قاسم أمين " من هذا العرض إلى أن التمدن الإسلامي قد بدأ وانتهى قبل أن يكشف الغطاء عن أصول العلم ، فكيف يمكن أن نعتقد أن هذا التمدن كان نموذج الكمال البشري ؟ ..
ثم يبين أن كثيراً من ظواهر التمدن الإسلامي لا يمكن أن تدخل في نظام معيشتنا الاجتماعية الحالية ويضرب الأمثلة من نظم هذا التمدن في الحكم وهي في رأيه أقل من المستوى الذي بلغه اليونان والرومان في كفالة الحريات كما يضرب أمثلة من نظام الأسرة ليبين أنه كان غاية في الانحلال وأن الفرق واسع بينه وبين النظم والقوانين التي وضعها الأوربيون لتأكيد روابط الأسرة )هكذا !!
وينتهي من ذلك إلى ذبح الشريعة متسائلاً : ( إذا كانت هذه حالهم فما الذي يطلب منا أن نستعيره منها ؟ .. وأي شيء منها يصلح لتحسين حالنا اليوم ؟ ) " المرأة الجديدة " ص ( 183 )
ثم يستطرد قائلاً : ( نحن لا نستغرب أن المدنية الإسلامية أخطأت في فهم طبيعة المرأة وتقدير شأنها فليس خطؤها في ذلك أكبر من خطئها في كثير من الأمور الأخرى …)
ويقول ( .. والذي أراه أن تمسكنا بالماضي إلى هذا الحد هو من الأهواء التي يجب أن ننهض جميعاً لمحاربتها لأنه ميل إلى التدني والتقهقر ..هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له من دواء إلا أننا تربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدنية الغربية ، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها ، فإذا أتى هذا الحين - ونرجو أن لا يكون بعيداً - انجلت الحقيقة أمام عيوننا ساطعة سطوع الشمس ، وعرفنا قيمة التمدن الغربي ، وتيقنا أن من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسساً على العلوم العصرية الحديثة ، وإن أحوال الإنسان مهما اختلفت وسواء كانت مادية أو أدبية خاضعة لسلطان العلم، لهذا نرى أن الأمم المتمدنة على اختلافها في الجنس واللغة والوطن والدين متشابهة تشابهاً عظيماً في شكل حكومتها وإدارتها ومحاكمها ونظام عائلتها ، وطرق تربيتها ولغاتها وكتابتها ومبانيها وطرقها بل في كثير من العادات البسيطة ، كالملبس والتحية ، والأكل ، هذا هو الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوربيين ، ونشيد بتقليدهم ، وحملنا على أن نستلفت الأنظار إلى المرأة الأوربية ) [ انظر " الأعمال الكاملة " 1/ 157 – 158] " المرأة الجديدة " ص ( 185 – 186
أليست هذه الكلمات نفس ما ردده طه حسين بعد ذلك كالببغاء بقوله: ( علينا أن نسير سيرة الأوربيين و نسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً فنأخذ الحضارة خيرها وشرها وحلوها ومرها وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب ) اهـ.
وفي هذا السياق جاء دور " سعد زغلول " في المساندة والتنفيذ :
يقول الصحفي " مصطفى أمين " : ( كان قاسم أمين لا يفترق عن سعد زغلول ، …
وعندما أقفل كبار المصريين بيوتهم في وجه قاسم أمين فتح سعد له بيته ، ودعاه هو وزوجته ليتناول الغداء والعشاء على مائدته ومائدة صفية زغلول ، وأصر أن يخرج في عربته مع قاسم أمين ويطوف شوارع العاصمة متحدياً للأصدقاء الذين نصحوه بأن لا يظهر مع قاسم أمين في مكان عام ، و إلا ضربه الناس بالطوب ، وعندما وضع قاسم أمين كتابه الثاني " المرأة الجديدة " متحدياً العاصفة الهوجاء ومطالباً أن تحضر المرأة مجالس الرجال وتمارس الأعمال الحرة أهدى كتابه الجديد إلى سعد زغلول صديقه الحميم ونصيره الأول ) [ نقلاً عن جريدة المساء الخميس 4 أغسطس 1983 مقالة بعنوان ( هل انتحر محرر المرأة ؟ ) ]
وقال عباس محمود العقاد : ( … وكان- أي "سعد زغلول" – رجلاً له رأي في المرأة ، وفيما ينبغي أن تكون عليه شريكة الحياة ، يخالف رأي السواد الغالب في تلك الأوقات ، وفي جميع الأوقات ، وحسبه من ذلك أنه هو الذي أعان قاسم أمين زميله وصديقه الحميم على إظهار كتابه في تحرير المرأة وتشجيعه على احتمال ما لقي في سبيله من سخط وعناء ) [ نقلا عن ( سعد زغلول ) تأليف عباس محمود العقاد ص 527 اهـ]
وقال الأستاذ السيد احمد فرج - : ( والرأي أنه لم يكن في استطاعة قاسم أمين أن يبرز نفسه بهذه الآراء الجريئة في ذلك العصر ، لولا تعضيد الإمام محمد عبده ، وأحد تلاميذه الذي صار زعيماً للأمة سعد زغلول باشا ، … .
وسعد زغلول في الحقيقة هو الذي ضمن تنفيذ أفكار قاسم أمين تنفيذاً عملياً ، فقد رحل الشيخ محمد عبده سنة 1905 ، ورحل تلميذه قاسم أمين بعده بسنوات قليلة ، وكان في ميعة شبابه ، ثم بقى سعد زغلول وقد أهلته مواهبه الفذة أن يقود المجتمع ويكيفه كما يريد ، وكان قادراً خاصة وأن الظروف الاجتماعية والفورة الوطنية قد هيأتا الناس لتقبل الأفكار الجديدة ووضعها موضع التنفيذ العملي ) نقلا عن " بناة النهضة العربية " لجرجي زيدان ص 105 .و " المؤامرة على المرأة المسلمة " ص 64
كما بادر إلى مناصرة قاسم حفنة من الكتاب وعلى رأسهم "جرجي نقولا باز" الذي ألف تأييداً لقاسم كتابين أحدهما : ( إكليل غار على رأس المرأة ) والآخر( النسائيات ) [ نقلا عن " قاسم أمين " للدكتور . " ماهر حسن فهمي " ص ( 172 ) .]
ويتبين من بداية خلع النقاب على المستوى الرسمي والاجتماعي والشعبي كذب الدعاية التي تطلق على النقاب أنه مستورد من البيئة العربية البدوية بيئة النفط والوهابية !! فقد كانت الطبقة العليا القريبة في مصر من الطبقة التركية تلبس النقاب ومنهن صفية زغلول قرينة سعد زغلول التي ما خلعته بغير تحريض ملح من زوجها ، يتبين ذلك من رحلتها معه إلى باريس ورجوعها منها فقد : ( صحبت " " زوجها " سعد زغلول " في باريس لحضور مؤتمر الصلح سنة 1920لعرض القضية المصرية ،وقد مكثت صفية ترتدي الحجاب إلى أن عادت مع سعد زغلول إلى مصر بعد عودته من منفاه ، وعلى ظهر الباخرة التي نقلتهما إلى الإسكندرية وجد سعد البحر وقد امتلأ بألوف المستقبلين بالقوارب وقال سعد لصفية " ارفعي الحجاب " وتدخل " علي الشمسي " و " واصف بطرس !! " ! - من أعضاء الوفد - وعارضا في ذلك فقال سعد زغلول " المرأة خرجت إلى الثورة بالبرقع ومن حقها أن ترفع الحجاب اليوم " ورفعت صفية زغلول الحجاب
ويستنكر الشيخ " مصطفى صبري " شيخ الإسلام رحمه الله هذه المنكرات قائلاً :
( وكأني بعلماء الدين سكتوا عند وقوع تلك الحادثة احتراماً لسعد ، أو انتقده عليه قليل منهم من غير تصريح باسمه ، كما هو المعتاد عند علماء مصر في النقد ، ولكن النهي عن المنكر ليس بجهاد مع الهواء ، وإن الحق وخاطر الإسلام أكبر من سعد وألف سعد ، وإني تذكرت هنا سعداً الصحابي رضي الله عنه وقول النبي " فيه : أتعجبون من غيرة سعد ؟ والله لأنا أغير منه والله أغير مني ) نقلا من " قولي في المرأة " للشيخ مصطفى صبري رحمه الله ( ص 74 – 75 ) اهـ
ويبدو أن الأمر كان قد استقر على أن لا تخلع صفية الحجاب نزولاً على نصيحة ( واصف بطرس غالي ) !! ، فقد حكت هدى شعراوي في مذكراتها قصة عودتها على نفس الباخرة التي عاد عليها سعد فقالت
وقد بدأ – أي سعد – يهنئني على توفيقي في الوصول إلى رفع الحجاب وكيفية عمل الحجاب الشرعي (!) الذي أرتديه وقال : " إنه قد سر عندما رأى صورتي بهذا الزي الجديد في منفاه " ثم طلب من السيدة حرمه أن تقلدني فوعدت بذلك .. صعدت إلى ظهر الباخرة للنزول وإذا بصفية هانم تقابلني ببرقعها وملاءتها فقلت لها " أين وعدك لسعد باشا بارتداء الإزار الشرعي !!!؟ " فقالت :" أنا ليس لي زوج واحد .. واصف باشا غالي استحسن ألا أغير زيي حتى لا أحدث تأثيراً سيئاً في المستقبلين " فعجبت من ذلك وصافحتها ونزلت إلى اللنش الذي كان في انتظاري " ) اهـ من ( حواء ) العدد ( 1237 ) 7 يونيو 1980 م . ثم وقفت إحدى صنائع الاستعمار تخطب في القاهرة في احتفال الشعب بقدوم " الزعيم " وطلب منها رفع الحجاب وعندئذ رفعت الحاضرات الحجاب ) اهـ ( الأخوات المسلمات ) ص ( 255 )
وجاء في جريدة الجمهورية الصادرة في 20 / 4 / 1978 في الذكرى السبعين لموت قاسم أمين تحت عنوان : " تحليل شخصية قاسم أمين " : ( ولما تولى سعد زغلول زعامة الشعب في عام 1919 اشترط على السيدات اللواتي يحضرن سماع خطبه أن يزحن النقاب …. وكانت هذه أول مرحلة عملية للسفور ) اهـ
ثم هيئ الجو في الإسكندرية لاستقبال سعد ، وأعد سرادق كبير للرجال وآخر للنساء المحجبات وأقيمت الزينات في كل مكان ونزل " سعد " من الباخرة وعلى استقبال حافل وهتافات أخذ طريقها إلى سرادق النساء - دون سرادق الرجال - فلما دخل على النساء المحجبات استقبلته " هدى شعراوي " بحجابها …فمد يده - - فنزع الحجاب عن وجهها تبعاً لخطة معينة وهو يضحك ..فصفقت هدى ….وصفقت النساء لهذا الهتك المشين … ونزعن الحجاب أي ما يسمى النقاب أو البرقع
ومن ذلك اليوم أسفرت المرأة المصرية استجابة لـ " رجل الوطنية " سعد ،..[ نقلا من ( الأخوات المسلمات ) ص ( 255 ) ..]
ومن الواضح أن السفور آنذاك لم يتعد كشف الوجه ( إزاحة النقاب =البرقع = اليشمك ) إلى إزاحة ما اصبح يطلق عليه اليوم الحجاب
وهكذا يتبين لنا كيف أن سعدا كان وسوسة في أذن قاسم ، وكان قاسم مجرد ببغاء لمرقص ، ومرقص كورالا شارحا لدراكير ، ونازلي جامعة للأوركستر ، وكرومر مايسترو الفرقة ، ، والمحدثون اليوم هم محض استنساخ - سي دي – : عالي النبرة متحشرج الأداء لهذه الفرقة النشاز ، وبين يدي هؤلاء أخذ النقاب ينزف والحجاب يترقب
يتبع ونوجز في المقال التالي عن المؤلف حفظه الله ملف المعارضين
&
بسم الله الرحمن الرحيم
2
السيد الأستاذ مدير تحرير جريدة العرب نيوز
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :فأتشرف بأن أرسل مرفقا بهذا مقالتي
بعنوان (الحجاب في رحلة العودة )
رجاء التكرم بنشره مع خالص الشكر والتقدير
ولك مني خالص الشكر والتقدير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أد : يحيى هاشم حسن فرغل
تحريرا في \11 \2009
بسم الله الرحمن الرحيم
الحجاب في رحلة العودة
بين يدي أنصاره وخصومه :
نشر
بقلم
أد : يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
يقول الأستاذ أحمد إسماعيل المقدم في كتابه الذي صادره المجمع بعد حوالي عشرين عاما من طبعه وتوزيعه لله دره !! : تجلت ردود الفعل – ضد قاسم أمين - في موجة عارمة من المعارضة كان أكثرها مقالات صحافية وقد اتهمه المعارضون بالهذيان ، وبأنه ممن تخطفت زخارف التمدن الغربي بصائرهم ، وهاجمه علماء الدين هجوماً عنيفاً ، وحكم الفقهاء بأنه خرق في الإسلام ، وعدها الكثيرون ضرباً من المبالغة في تقليد الغربيين ، واتهمه آخرون بالجناية على الدين والوطن ، وأنه ينفذ أمنية من أماني الأمم الصليبية التي تريد بها هدم الإسلام ، وتقويض الآداب والأخلاق ، وتحريض النساء على الفساد .
ولم يكتف أنصار الحجاب بالمقالات العنيفة بل ألفوا الكتب العديدة ( التي بلغ عددها مائة كتاب ) تبطل شبهات قاسم وتقيم الحجة عليه من أدلة الشريعة المطهرة [ .نقلا عن " تطور النهضة النسائية " ص (12) ] .
من هذه الكتب :
كتاب تربية الحجاب والمرآة لمحمد طلعت حرب
: " قولي في المرأة " لمصطفى صبري .شيخ الإسلام في الدولة العثمانية
" السنة والكتاب في حكم التربية والحجاب " لمحمد إبراهيم القاياتي .
: " الجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس " لمحمد أحمد حسنين البولاقي
: " خلاصة الأدب " لحسين الرفاعي .
: " نظرات في السفور و الحجاب " لمصطفى الغلاييني .
" رسالة في مشروعية الحجاب " لمصطفى نجا .
: " رسالة الفتى والفتاة " لعبد الرحمن الحمصي ) [ نقلا عن " قاسم أمين " د . " ماهر حسن فهمي " ص ( 164 – 165 )] ..
وهذا هو الأمير " شكيب أرسلان " ينشر مقالاً عن ( السفور و الحجاب ) يحاول أن يبين - في نظرة تأصيلية - أن الدعوة إلى نزع الحجاب هي مرحلة تهيئ لما يليها من الدعوات التي ترمي إلى هدم أحكام الإسلام فيقول
ليست المسألة منحصرة في السفور ولا هي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجئ كيفما تشاء ، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصل بعضها ببعض لابد من أن ينظر الإنسان إليها كلها من أولها إلى آخرها فإذا كان ممن يرى حرية المرأة المطلقة فعليه أن يقبلها بحذافيرها …)
ثم يقول : ( تلك مدنية وهذه مدنية تلك نظرية وهذه نظرية و علينا أن نختار إحدى المدنيتين أو إحدى النظريتين مهما استتبعت من الأمور التي كان يقال في مثلها عندنا : أعوذ بالله ) اهـ . ( المنار ) عدد 29 ذي الحجة 1343 هـ - 21 يولية 1925 م ص ( 206 – 210 ) .
ومن أجل هذا سالت عبرة ساخنة ساخنة للكاتب العريق الأديب " مصطفى لطفي المنفلوطي " في مقال له في مسألة الحجاب بكتابه ( العبرات ) ص ( 49 ) . . في حوار مع شاب مصري يزعم - وقد رجع لتوه من أوربا - أن المرأة الشريفة تستطيع أن تخالط الرجال وهي من شرفها وعفتها في حصن حصين لا تمتد إليه المطامع " مهما خلعت أو اختلطت أو اختلت
ويقاوم الكاتب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي يرحمه الله أمثال هذه الجراثيم التي استحكمت حتى اليوم في جسد الأمة في تحليل دقيق يفضح الخديعة التي أوقع فيها الرجال بالمرأة باسم التحضر ، ويكشف الاحتيال عليها باسم التحرير بهدف الحصول منها على ما امتنعت عليهم فيه في حال تحجبها ، . يقول بأسلوبه الرائع شارحا هذه الخديعة :
(… ما هذا الولع بقصة المرأة والتمطق – التمطق [ التصويت باللسان عند استطابة الطعام ]— بحديثها والقيام والقعود بأمرها، و أمر حجابها وسفورها ، وحريتها و أسرها ، كأنما قمتم بكل واجب للأمة عليكم في أنفسكم فلم يبق إلا أن تفيضوا من تلك النعم على غيركم
هذبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم ، فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن النساء أعجز ، أبواب الفخر أمامكم كثيرة فاطرقوا أيها شئتم ، ودعوا هذا الباب موصداً فإنكم إن فتحتموه فتحتم على أنفسكم بلاًء عظيماً ..
أروني رجلاً واحداً منكم يستطيع أن يزعم في نفسه أنه يمتلك هواه بين يدي امرأة يرضاها ، فأصدق أن امرأة تستطيع أن تملك هواها بين يدي رجل ترضاه
إنكم تكلفون المرأة ما تعلمون أنكم تعجزون عنه ، وتطلبون عندها ما لا تعفونه عند أنفسكم ، فأنتم تخاطرون بها في معركة الحياة مخاطرة لا تعلمون أتربحونها من بعدها أم تخسرونها وما أحسبكم إلا خاسرين
ما شكت المرأة إليكم ظلماً ولا تقدمت إليكم في أن تحلوا قيدها وتطلقوها من أسرها ………..إنها لا تشكو إلا فضولكم و إسفافكم ومضايقتكم لها ووقوفكم في وجهها حيث سارت و أينما حلت ، حتى ضاق بها وجه الفضاء فلم تجد لها سبيلاً إلا أن تسجن نفسها بنفسها في بيتها ، فوق ما سجنها أهلها ، فأوصدت من دونها بابها ، وأسبلت أستارها ، تبرماً بكم ، وفراراً من فضولكم ، فواعجباً لكم تسجنونها بأيديكم ثم تقفون على باب سجنها تبكونها و تندبون شقاءها !
إنكم لا ترثون لها بل ترثون لأنفسكم ،
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ