ظاهرة التدين وعلاقتها بمبنى الإسلام
كتبهاyehia fargal ، في 9 أكتوبر 2009 الساعة: 12:33 م
دعوة إلى خصوصية الأخلاق في مبنى الإسلام
قبل أن تتبخر ظاهرة التدين ..
أد : يحيى هاشم حسن فرغل
2 \1 \5
نرى – والله أعلم – أن المسلمين في ظاهرة التدين المعاصرة هم في أحسن الأحوال قد اشتغلوا بالأركان الخمسة – الشهادتان والصلاة والصوم والزكاة والحج - وتركوا المبنى وإن اشتغلوا ببعض النوافل والمندوبات والتحسينات ومن ثم استهدفهم أعداء التدين
شاهت وجوه تستهدف استبعاد بعض الأركان ـ
وشاهت ثم شاهت وجوه تقتصر على الشهادتين وتستبعد ما عداهما
وشاهت ثم شاهت وجوه تقتصر من الشهادتين " على لا إله إلا الله " وتسكت عن شهادة " محمد رسول الله " إسهاما منهم في تأسيس ما يسمى " ديانة المشترك " وإن انخلعوا من الإسلام
وشاهت ثم شاهت وجوه تفسر التوحيد الإسلامي بالتوحيد الثلاثي أو تقبله أو تقترب منه وإن وقعوا في التناقض ضمن الديانة الجديدة " ديانة المشترك " !!
ولكنا نقول أيضا : بئـسما يمارسه الكثيرون من التهويم حول الأركان الخمسة وإهمال البناءعليها من القيم والفرائض
نعم إن الأركان الخمسة هي الأهم نسبيا كالأساس بالنسبة للقصر ، والشوارع بالنسبة للمدينة ، والجدول بالنسبة للشجرة ، والقلب بالنسبة للجسد ؟ لكن ماذا بعد ؟
وما ذا يعني إهمال القيم والفرائض مع الاشتغال بالنوافل والتحسينات ؟
تحسينات إيه إذا كان المبنى غير موجود .؟؟
ونقتصر هنا في الحديث عن بعض مفردات هذا المبنى الفوقي المقصود في قوله تعالى ( إني جاعل في الأرض خليفة ) أو أهمها حيث نجدها في :
في مجموعة من القيم والفرائض والنوافل - فوق الأساس والأركان طبعا - محصنة بالبعد الغيبي ، متجملة بحسن الجزاء ، محمية بالنواهي والزواجر والعقوبات
ويميز الفقهاء بين الفريضة والركن من حيث ما بينهما من العموم والخصوص فكل ركن فريضة وليس كل فريضة ركنا :
ونجمل القول في القيم مع شيء من التفصيل في خصوصيتها القائمة على التسليم للخالق وهي من حيث هذه الخصوصية من حيث إنها لا تقبل الاندراج فيما يسمى ديانة المشترك وإن بدت في مفرداتها وما تدعو إليه من حسن الخلق أقرب ما تكون لذلك وهي من حيث هذه الخصوصية ايضا تنتقل بنا إلى فريضة التميز الثقافي
ثم نجمل القول في الفرائض والنوافل مع شيء من التفصيل في فريضة الجهاد
وقصدت فيما يأتي إلى بعض التوسع في الاستشهاد بآيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف - وإن رآه البعض إسهابا - كلما أمكن التوسع أو تيسر ’ للدلالة على لا مذهبية هذا الطرح من ناحية ، واستحالة القضاء على هذه القيم والفرائض ما حفظ الله الذكر الحكيم والقرآن الكريم من ناحية أخرى
&&&
· نذكر من المبنى شبه المهجور في منظومة الأخلاق الإسلامية :
في البر بالوالدين – فريضة صلة الرحم – صلة الجار - الأمانة – الصدق – العفة – الحياء - – التراحم – التكافل – التعاون – الصبر – التواضع – الوفاء – النصيحة – حسن العشرة – حسن الخلق إلخ
وهي القيم الأخلاقية القائمة على الخصوصية والتي لا تظهر حقيقتها ما لم ترجع في أساسها إلى القيمة الإسلامية الكبرى في الصلة بالله التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ) . رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه . وللترمذي مثله
وفي المقابل لذلك روى مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : [ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ] وقال [ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ] ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء : يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك ) .
يجيب هذا الحديث عن أسئلة لموضوعات عديدة : منها ما يتعلق بالقيم في الإسلام . بعبارة أخرى : ما هي الأمور أو الأشياء التي يصح أن نعطيها قيمة في حياتنا الإسلامية؟ وهذا السؤال هام بطبيعته ، وقد صار في حياتنا المعاصرة أشد أهمية ، لما أصاب هذه الحياة من تصدع للبناء القيمي .
هذا السؤال هام : لأن سلوك الناس في حياتهم أساسه ما يعتقدونه من أن هذا الشيء أو ذاك له قيمة ، أو ليست له قيمة . وهم يستمدون نظرتهم إلى قيم الأشياء من عقائدهم و تربيتهم الدينية أو موروثاتهم الثقافية ، ويخضعون في حياتهم لتلك النظرة أكثر مما يخضعون لأي سلطة من السلطات ، ولو بلغت في جبروتها ، واستبدادها أقصى الغايات…
لذلك كله : كانت الحياة في ظل الإسلام تختلف عن الحياة في ظل غيره من النظم ، لأنه يختلف مع هذه النظم - كثيرا أو قليلا -في ما يعطيه للأشياء من قيمة ، كما أنه يختلف عنها في ترتيب هذه القيم حسب أولوياته الخاصة ، وبنائه الشامل لسلم القيم ، وفي هذا السلم تكون القيمة الأعلى حاكمة على القيمة التي هي أدنى منها ، وتأتي قيمة التسليم لله ، وطاعة رسوله ؛ فوق القيم جميعا ، بمعنى أنه إذا وجد الإنسان نفسه في موقف تتعارض فيه قيمتان لم يلتبس عليه الأمر في شيء ، وحكـم القيمة التي فوقها .
وفي ضوء الحديث الذي قدمناه ندرك أن الإسلام يرفع من قيمة الإنسان المسلم نفسه لله فوق أية قيمة أخرى من القيم التي تختص بحياة الناس .
وفي المجتمع الجاهلي الذي ظهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت قيمة الإنسان تنخفض أو ترتفع تبعا لمظاهر لا تمت إلى قيمة الإنسان المسلم وجهه لله بصلة .
فالفرد عند هؤلاء يكون رفيع الشأن ، يتوجه إليه الناس بالاحترام والتقدير لأنه من قبيلة كذا ، وأبوه فلان ، وأمه فلانة . أو لأنه ينتسب إلى جماعة لها تاريخ معروف في الحكم أو الحرب . أو لأنه صاحب مال وفير ، أو تجارة واسعة أو لأنه طويل اللسان ، رائج الشعر والكلام ، نافذ الإعلام ، مكين في نصرة ذويه بالحق والباطل .
والمجتمعات الجاهلية الحديثة لا تكاد تخرج عن الإطار العام لما كانت عليه مقاييس قيمة الإنسان في المجتمع الجاهلي القديم ، و زادت تدهورا بإضافة اللون الأبيض ، والنسب الغربي : كمقياس معتبر لقيمة الإنسان ، وإن ملأت الفضاء ضجيجا ونفاقا حول ما يسمى حقوق الإنسان .
والمجتمعات التي تسيطر عليها تلك القيم الجاهلية ، معرضة للتفكك والانهيار والضياع في القديم والحديث على السواء .
من هنا كان دور الإسلام - في القديم والحديث أيضا - يقوم على إصلاح المجتمع وإنقاذه بإصلاح القيم التي يقوم عليها .
والسؤال الآن : ما هي الحقائق أو الأمور أو الأشياء التي لها قيمة في الإسلام ؟
إنها باختصار وبساطة : تلك الحقائق ، أو الأمور ، أو الأشياء ، التي لها قيمة عند الله ، أو التي يطلب منا الله سبحانه أن يكون لها قيمة عندنا ،وما ليس كذلك فهو لا قيمة إيجابية له.
والحديث الذي قدمناه هو أحد المعالم البارزة التي تدل على بعض هذه الأمور التي لها قيمة أو تلك الخالية منها .
وقد جاء في معنى الحديث الذي قدمناه رواية أخرى للبخاري بسنده عن ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل قال : ( مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما تقولون في هذا ؟ قالوا : حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع ، وإن قال أن يستمع ، قال : ثم سكت ، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال : ما تقولون في هذا ؟ قالوا حري إن خطب أن لا ينكح ، وإن شفع أن لا يشفع ، وإن قال أن لا يستمع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ) .
ولابن ماجة : بسنده عن أبي سعد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود عن خباب في قوله تعالى ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) إلى قوله ( فتكون من الظالمين ) قال : ( جاء الأقرع بن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب ؛ قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين ، فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم ، فأتوه فخلوا به :
وقالوا : إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا ، تعرف لنا به العرب فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك ، فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت ، قال : نعم ، قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا ، قال : فدعا بصحيفة ، ودعا عليا ليكتب ، ونحن قعود في ناحية
فنزل جبرائيل عليه السلام بقوله تعالى : (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ 52 وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ 53 وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 54 وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ 55) 52-54 الأنعام
قال : فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا ، فأنزل الله تعالى
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ، واتبع هواه وكان أمره فرطا ) 28 الكهف .
قال خباب : فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم ) .اهـ أخرجه ابن ماجة .
ولأحمد بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (كرم الرجل دينه ، ومروءته عقله ، وحسبه خلقه ) .
ولمالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال : ( كرم المؤمن تقواه ، ودينه حسبه ، ومروءته خلقه ) .
هدي الإسلام إذن في موضوع القيم : أن الإنسان يكتسب قيمته وعصمته ومروءته وحسبه بمقدار ما يكتسب من استقامته على صراط الله ، وطاعته لمولاه ، وقربه من ربه ، وتسليمه الوجه إليه . … إنه يرتفع في هذا النهج إلى قمة هذا الكون وأعلاه … إلى أن يصبح في موضع يحق له فيه - بفضل الله - أن يطلب من الله ما يطلب بقوة وإلحاح وإصرار .( أقسم على الله )
وهو إذ يصل إلى هذه المنـزلة من القيمة والكرامة والتكريم تكون له بعد ذلك منـزلة أعلى ، وقيمة أسمى ، وكرامة أرقى ، وتكريم أحلى : وهو أن يستجيب ربه عز وجل لقسمه ، ( لو أقسم على الله لأبره )
يؤكد هذه القيمة العليا ، والكرامة الأرقى : مستوي أعلى : جاء فيما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن الله قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته ) .
ونحن المسلمين اليوم …إن أردنا أن نسترجع ذاتنا الإسلامية ،ونستنقذ ثقافتنا المهددة ، ونلوذ بحصننا الأمين …في مواجهة موجات الإبادة التي نتعرض لها اليوم بعد ما تم من محو أسوار الجغرافيا والسلطة والسيادة والاقتصاد ……علينا أن نسترجع بناءنا القيمي الصحيح .
علينا أن نرتفع بقيمة الإنسان المسلم وجهه لله ، الناظر لربه ، المؤثر لأخراه على دنياه وأن نستبعد أية قيمة مناقضة لذلك .
ونحن نحتاج في قلب هذه الحياة الدنيا إلى مقياس نعرف به ما هو من قيم الآخرة الخالدة في الجنة ، وما هو من قيم الدنيا الساقطة في النار .
والمقياس الكاشف لهذا كله واضح في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة في سننه بسنده عن : عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه )
وهو واضح أيضا فيما رواه الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، قال فما عملت فيها ؟ قال قاتلت فيك ، حتى استشهدت ، قال : كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه ، حتى ألقي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن ، قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ ، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ، حتى ألقي في النار
ورجل وسع الله عليه ، وأعطاه من أصناف المال كله ، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ،قال : فما عملت فيها ؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال : كذبت ، ولكنك فعلت ليقال هو جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ) .
ويشرح الإمام الغزالي هذا المقياس فيقول :
" الأشياء ثلاثة أقسام :
منها ما لا يتصور أن يكون لله ،وهو المعاصي والمحظورات ، وأنواع التنعم - بقصد التلذذ - في المباحات .
ومنها ما تكون صورته لله ويمكن - بالقصد - أن يجعل لغير الله ، مثل الفكر والذكر والكف عن الشهوات ،فإن هذه الأمور : إن كان الغرض منها مجرد حفظ المال والبدن والاشتهار بالتقوى ، فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى ، وإن كانت صورته أنه لله .
وإذا جرت سرا أو لم يكن عليها باعث سوى الله واليوم الآخر فهي لله ، وليست من الدنيا .
ومنها ما تكون صورته لحظ النفس ، ويمكن أن يكون معناه لله ، وذلك كالأكل والنكاح ، فإن كان القصد حظ النفس فهو من الدنيا ، وإن كان القصد الاستعانة به على التقوى والحصول على رضا الله ، فهو لله ، وإن كانت صورته الدنيا ".
ثم يقول : " فانظر كيف اختلف ذلك بالقصد ، فإذن : الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ، ويعبر عنه بالهوى . وإليه الإشارة بقوله تعالى ( ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى )
ومجامع الهوى خمسة أمور ، وهي ما جمعه الله تعالى في قوله تعالى ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ، ثم يهيج فتراه مصفرا ، ثم يكون حطاما ، وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) 20 الحديد
والأمور العينية التي تتحقق منها سبعة يجمعها قوله تعالى ( زين للناس حب الشهوات من النساء ، والبنين ، والقناطير المقنطرة من الذهب ، والفضة ، والخيل المسومة ، والأنعام والحرث ، ذلك متاع الحياة الدنيا ، والله عنده حسن المآب ، قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها ، وأزواج مطهرة ، ورضوان من الله ، والله بصير بالعباد ، الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) 14 - 17 آل عمران اهـ
وعلى الذهب والفضة يقاس اليوم : الدولار ، وما شابه ذلك .
وعلى الخيل المسومة يقاس اليوم : القيادات والسيارات ، والطائرات ، واليخوت ، وما شابه ذلك.
وعلى الأنعام والحرث يقاس اليوم : المصانع ، والمرافق ، والمنشآت الاقتصادية ، وما شابه ذلك .
ويقول الإمام الغزالي : ( فقد عرفت أن كل ما هو لله ، فليس من الدنيا ، وقدر ضرورة القوت والمسكن والملبس إن قصد به وجه الله تعالى فهو لله .
والاستكثار منه تنعم وتلذذ وهو لغير الله .
وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة .
وللحاجة طرفان ووسط :
حاجة تقترب من الضرورة ، فلا يضر ، فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن .
وطرف يقترب من التنعم فينبغي أن يحذر منه .
وبينهما وسائط متشابهة ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . ) [1]
إنه في منظور الذاتية الإسلامية لا تتضح حقيقة القيم - في ارتباطها بالله واليوم الآخر -إلا بإدراك أن الإنسان خلق في هذه الحياة الدنيا لا لتستغرقه هذه الحياة بمتعها وأهوائها ولكنه وجد فيها ليقوم برسالة تكليفية .
رسالة تكليفية بمقتضى نزوله إليها ليكون خليفة ، ليبني حضارة وفق تعاليم الله ( إني جاعل في الأرض خليفة ) .
وهذه المهمة التكليفية تقتضي ميزانا دقيقا للعلاقة بين الدنيا والآخرة يوجب على الإنسان أن يظل على الميزان الدقيق الذي وضعه الإسلام لهذه العلاقة .
الدنيا لا قيمة لها إذا قطعت عن الآخرة .
وإنه لمن الصحيح ما جاء في سنن ابن ماجة بسنده عن ابن عمر أنه قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي فقال ( يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب ، أو كأنك عابر سبيل ، وعد نفسك من أهل القبور )
نعم ؛ عابر سبيل ، ولكنه عابر سبيل مأمور مكلف ، وليس عابر سبيل تائها .
وهي إذن - أي الدنيا - ذات قيمة كبيرة باعتبارها الطريق إلى الآخرة ، انطلاقا من قوله صلى الله عليه وسلم ( عابر سبيل ) فهي أي الدنيا هي السبيل الذي يعبره ، وهو يعبره إلى الآخرة .ومن هنا - فقط - تنبثق قيمة الدنيا .
واهتزاز القيم الذي نعانيه اليوم منشؤه اهتزاز نظرتنا إلى الآخرة والدنيا ، اهتزازا عقائديا خطيرا .
ولكي نرجع إلى الميزان الدقيق للقيم نرجع إلى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي بسنده عن سهل بن سعد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم
( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ) .
إن التأمل في هذا الحديث - وفي ضوء ما تقدم - يعيدنا إلى الوضع الصحيح في ميزان القيم ، كلما اضطرب هذا الميزان في أيدينا نتيجة اختلال نظرتنا إلى الدنيا وعلاقتنا بالآخرة ، كما هو حالنا اليوم : خضوعا منا لعمليات التغريب ، والتجافي عن الذاتية الإسلامية .
إنه - أي هذا الحديث - يقرر أن الأشياء { من المقتنيات والأموال والألقاب والمناصب والأنساب … إلى آخر ما هنالك من معطيات هذه الحياة } إنما تأخذ قيمتها من عقيدة من هي في يده ، لا أنها التي تفرض عليه ما يعتقده فيها .
خذ مثلا لما يجري في حياتنا المعاصرة : لوحة لفان جوخ تباع ب 87 مليون دولار ؟
فوز في مباراة التنس يساوي عددا من ملايين الدولارات ؟
ماذا يعني هذا ؟
هل يعني أن اللوحة تساوي سبعة وثمانين مليون دولار ؟
أم تعني أن السبعة وثمانين مليون دولار تساوي لوحة ؟
أيهما يعطي القيمة للآخر ؟
إذا كان عمل س من الناس - راقصة مثلا - يعطى عليه مليونا مثلا ، فما ذا يعني هذا؟ هل يعني أن هذا العمل يساوي المليون ؟
أم أن المليون يساوي ذلك العمل ؟
الحديث الذي ذكرناه في قوله صلى الله عليه وسلم (: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما أعطى الكافر منها شربة ماء )…. يعيدنا إلى الميزان الصحيح للقيم .
إنه يعني : لا أن الكافر قيمته هي هذه الدنيا …
ولكنه يعني أن الدنيا قيمتها هي هذا الكافر
وإذا كان الكافر لا يساوي عند الله شيئا فهذا يعني أن الدنيا التي حصل عليها لا تساوي شيئا
إن العقيدة هي الأساس في إعطاء شيء مما يخص هذه الحياة الدنيا قيمة .
فإذا تغيرت العقيدة تغيرت قيم أشياء هذه الحياة الدنيا .
وإذا كان الأمر يرجع إلى العقيدة فليكن طريقنا نحن المسلمين إلى تقييم الأشياء هو العقيدة الإسلامية .
علينا أن نعطي الأشياء قيمة إيجابية أو سلبية وفقا لما جاءنا من الوحي : عقيدة وشريعة ، أمرا ونهيا ، وأحكاما شرعية خمسة .
وعندئذ لا تختل نظرة المسلم عندما ينظر إلى متع هذه الحياة الدنيا ، وقد أعطيت كأوسع ما تكون لكافر ، أو لص ، أو عاهر ، فيظن أن هذا الكافر أو اللص أو العاهر قد ارتفعت قيمته …
وإنما عليه أن يتيقن أنها وقد أعطيت للكافر أو اللص أو العاهر فهذا يعني أنها - وقد أخذت مقطوعة عن الآخرة - فهي لا قيمة لها أو لها قيمة سالبة .
إنه من الجائز لنا أن نتألم عندما نرى الأمور تجري على هذا النحو ، ولكن لا يجوز لنا أن نتحسر .
إنه يجوز لنا أن نتألم عندما نرى متعة الدنيا في يد الكافر : نتألم لأن ميزان القيم قد اختل في أيدي الناس حيث انبنى علي معتقدات دنيوية باطلة ، وأصبحت له السيطرة على شئون حياتهم …
نتألم لأن المسلمين بدلا من أن يعملوا على إرجاع ميزان القيم الأخروية إلى وضعه القيادي الصحيح ؛ فيعلون من قيمة التقوى والجهاد والتسليم للخالق وطلب مرضاته … بدلا من ذلك أخذوا يعملون على ترسيخ قيم هذه الحياة الدنيا من الجري وراء اللهو والمتعة والأكل في سبعة أمعاء .
ولكن لا نتحسر …
لأن مجرد تحسر المسلم على زينة الحياة الدنيا وأنها في يد الكافر أو اللص أو العاهر يعني أن لديه اختلالا في ميزان القيم ، وأنه لا يلتزم تمام الالتزام بتعاليم الإسلام في الدنيا وزينتها ، وعليه أن يتحرك لتصحيح هذا الميزان ، ووضع الدنيا في وضعها الصحيح طبقا لتكليف الله له ، وإرادته الإصلاح في تعمير هذه الأرض .
لقد مر المسلمون بمراحل من التدهور منذ أن اختلت في أيديهم قيمة الدنيا ، وقيمة الآخرة ، وجرى التعتيم عليهما ، ثم جرى الإرهاب الفكري ضد كل من يحاول أن يعيدهما إلى دائرة الضوء الصحيح .ومن ثم تكونت لدينا القابلية للاستعمار
وخضوعا لقانون الطبيعة التي وضعها الله كان لابد من أن تزحف القوة المليئة إلى مواطن الضعف الفارغة
أن يزحف المستعمر إلى القابل
وكان آخر مراحل هذا التدهور خضوعنا لطوفان عات من الاستعمار .
وعندما تململنا من ضغوط الاستعمار قلنا إن الحل في عودتنا إلى الحياة الصحيحة هو في رحيل الاستعمار .
وعندما رحل الاستعمار ولم يتحقق شيء قلنا : الحل في تغيير الأنظمة السياسية .
وعندما غيرنا ما غيرنا من هذه الأنظمة ولم يتحقق شيء قلنا :الحل هو في المشكلة الاقتصادية
ولما تخبطنا في دهاليز المشكلة الاقتصادية وقفنا مبهوتين نتساءل عن الحل …
ونحن في هذه المراحل جميعا أشبه بتلميذ خائب أتيحت له ظروف مواتية تنقلت به من سنة دراسية إلى أخري دون امتحان حقيقي …
فلما جاءت سنة الشهادة الأخيرة اكتشفوا أنه لا يستحقها فنـزلوا به عاما دراسيا .ثم اكتشفوا أنه لا يستحقها فنـزلوا به عاما آخر
وهكذا ظلوا ينـزلون به إلى أن أوصلوه إلى العام الذي يتلقى فيه ألف باء من جديد.
هكذا نحن اليوم نكتشف أننا مازلنا عند ألفباء القيم الإسلامية .
إن الحضارة الأوربية المعاصرة حسمت أمرها واختارت وانتهى الأمر ، وكان قرارها منسجما تماما مع قوله تعالى ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ) .
قرار يتسم بالاتساق والانسجام الداخلي ؛ وإن كان متناقضا كل التناقض مع قانون الخلود ، قانون الخلود الذي نبذته .
وبمقدار اتساقها ذاك أثمرت :
أثمرت شجرة الزقوم .
وحضارتنا الإسلامية تقوم على التسليمية والأخروية .
أما المسلمون اليوم فلم يأخذوا بمقياس الانحصار الدنيوي ، ولاهم أخذوا بمقياس الانفتاح الأخروي ( كالشاة العائرة بين الغنمين ) .
أثر عن سيدنا عيسى عليه السلام أنه قال : ( الدنيا طالبة ومطلوبة : فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل رزقه – [ تماما كقول محمد صلى الله عليه وسلم - " أتته الدنيا وهي راغمة " -] وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيئه الموت فيأخذ بعنقه ) .
وأثر عنه قوله عليه السلام ( من الذي يبني على موج البحر دارا ؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا ) وقيل له : ( علمنا علما يحبنا الله عليه ؟ قال : أبغضوا الدنيا يحبكم الله )
هذا لا يعني في الإسلام إسقاط قيمة الدنيا - كما سبق أن أكدنا - ولكن غاية ما يعنيه أن تكون قيمتها مرتبطة باستثمارها من أجل الآخرة : امتحانا في التسليم لله ، وانصياعا نحو صناعة الحضارة فيها على إبداع الله ، ثم إنها تذهب بعد ذلك - وقد استفرغت الغرض منها - تذهب بددا ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ، وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) 8 الكهف
على هذا الأساس القيمي علينا - نحن المسلمين - أن نسترجع ما فقدناه من بنائنا القيمي الخالص
وفي مجال الإنسان علينا - كما سبق أن قلنا - أن نرتفع بقيمة الإنسان المسلم وجهه لله ، الناظر لوجه الله ، المسخر لدنياه من أجل قيم أخراه .
وأن نستبعد أية قيمة مناقضة لذلك عملا بهدي محمد صلى الله عليه وسلم ( رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ) .
ولكن هذا الحديث لا يعنى إلغاء قيمة الملبس الحسن ، فللملبس الحسن قيمته في الإسلام أيضا ، ولكن بشرط أن يبتعد بقيمته عن قيم الدنيا في التفاخر ، والتباهي ، وربطه بقيم الآخرة في تقبل نعم الله ، والتحدث بها ، والشكر عليها بلسان الحال ، قبل لسان المقال ، ولعل هذا الربط هو ما تأتي الإشارة إليه في ربط الزينة المستحبة بموطن الطاعة في قوله تعالى : ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) 31 الأعراف ، وبموطن ما هو طيب في قوله تعالى ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) 32 الأعراف ،
ولعل خوف المغالاة في رخصة الملبس الجميل هو ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يعود بالأمر هنا إلى قاعدة التوازن والارتباط بالأصل القيمي الأخروي إذ يقول فيما رواه أبو داود في سننه بسنده عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة قال ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما عنده الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا تسمعون ألا تسمعون ؟! إن البذاذة من الإيمان إن البذاذة من الإيمان يعني التقحل ) [2]
وهذا الربط القيمي الأخروي لا يعني إعلاء قيمة السلبية في حياة الإنسان المسلم ، فلا تكون للحياة قيمة عنده ، ولا يشغله أمر الناس ، ولا يعنيه ما يجري لهم .
فلقد بينا أن ربط القيم في الإسلام بالأخروية يعني قيمة إيجابية محددة للدنيا في إطار كونها مزرعة للآخرة . ومن ثم فإنه - أي المسلم - وفي ذلك الإطار ، مكلف بقوة بأن ينشغل بأمر الناس ، ويهتم بما يجري لهم اهتماما كبيرا .
وفي هذا جاء في سنن الترمذي بسنده عن ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان الأعمش عن يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المسلم إذا كان مخالطا الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) قال أبو عيسى قال ابن أبي عدي كان شعبة يرى أنه ابن عمر
وفي حديث آخر رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (حوسب رجل ممن كان قبلكم ، فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس ، وكان موسرا ، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر ، قال : قال الله عز وجل : نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه ) .
وفي مسند أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاصي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال :
أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء والمهاجرون الذين تسد بهم الثغور ، ويتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء ، فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم ؛ فتقول الملائكة نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك : أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم ؟ قال : إنهم كانوا عبادا يعبدوني لا يشركون بي شيئا ، وتسد بهم الثغور ، ويتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، قال : فتأتيهم الملائكة عند ذلك ، فيدخلون عليهم من كل باب " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " )
&&&&
ومن هنا ربط الإسلام حسن الخلق بهذا البناء القيمي المرتبط أصلا بالأخروية .
وفي هذا جاء ما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق ) .
وجاء ما رواه أبو داود في سننه بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن المؤمن ليدركه حسن خلقه درجة الصائم القائم )
وجاء في صحيح البخاري في باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وأجود ما يكون في رمضان ، وقال أبو ذر – لما بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم - لأخيه : اركب إلى هذا الوادي ، فاسمع من قوله ، فرجع فقال : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان الأنصاري قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم ، فقال : البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس .
وفي سنن الترمذي بسنده عن عبد الله بن المبارك : أنه وصف حسن الخلق ، فقال : هو بسط الوجه ، وبذل المعروف ، وكف الأذى .
وفي سنن ابن ماجة بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا عقل كالتدبير ، ولا ورع كالكف ، ولا حسب كحسن الخلق .
وفي مسند أحمد بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يلج الناس به النار ؟ فقال : الأجوفان الفم والفرج ، وسئل عن أكثر ما يلج به الجنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسن الخلق .
وفي مسند احمد أيضا بسنده عن رافع بن مكيث وكان ممن شهد الحديبية : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حسن الخلق نماء ، وسوء الخلق شؤم ، والبر زيادة في العمر ، والصدقة تمنع ميتة السوء .
وفي مسند أحمد أيضا بسنده عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة وصلة الرحم ، وحسن الخلق ، وحسن الجوار : يعمران الديار ويزيدان في الأعمار .
ولمالك في الموطأ بسنده في باب ما جاء في حسن الخلق أن معاذ بن جبل قال : آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: أحسن خلقك للناس ، يا معاذ بن جبل .
ولأحمد في مسنده بسنده عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اتق الله حيثما كنت ، وخالق الناس بخلق حسن ، وإذا عملت سيئة فاعمل حسنة تمحها .
ولأحمد أيضا بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رجل : يا رسول الله إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها ، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ؟ قال : هي في النار ، قال يا رسول الله : فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها ، وإنها تصدق بالأثوار من الأقط [3]، ولا تؤذي جيرانها بلسانها ؟ قال هي في الجنة .
وفي رواية لأبي يعلى بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ، فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق ).
وفي رواية لابن عساكر بسنده عن أبي الدرداء أنه بات ليلة يقول : الله حسنت خلقي فحسن خلقي حتى أصبح ، فقيل له : ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق ؟ فقال : إن العبد يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة ، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار[4]
وفي رواية لأنس رضي الله عنه قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إذ قال ( إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد )[5]
ولأحمد أيضا بسنده عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الفضائل أن تصل من قطعك ، وتعطي من منعك ، وتصفح عمن شتمك ).
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ) ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن الطبراني في الأوسط ، ورواه النسائي وقال : حسن صحيح
وفي رواية أخرى لابن أبي الدنيا بسنده عن أبي هريرة – جاءت في كنـز العمال – يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون ، وإن أبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة ، المفرقون بين الإخوان ، الملتمسون للبراء العثرات ) .
يقول الإمام الغزالي : (إعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق ، والتفرق ثمرة سوء الخلق ، فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق ، وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر ) .
هذه مكانة حسن الخلق ضمن البناء القيمى القائم على ركني التسليم للخالق ، والعمل للآخرة
يقول الإمام الغزالي : " حسن الخلق هو الإيمان ، وسوء الخلق هو النفاق ، وقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين والمنافقين في كتابه وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق ، وسوء الخلق " .
وأشار الغزالي إلي مجموعة من الآيات التي تركز الضوء على حسن الخلق في ارتباطها بالإيمان الصحيح .
يقول الله تعالى في أول سورة المؤمنون : ( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ،والذين هم عن اللغو معرضون ، والذين هم للزكاة فاعلون ، والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ، والذين هم على صلواتهم يحافظون . )
وفي سورة الفرقان يقول الله تعالى : (وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .
والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ، إنها ساءت مستقرا ومقاما .
والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما .
والذين لا يدعون مع الله إلها آخر .
ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون .
ومن يفعل ذلك يلق أثاما ، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ، ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا .
والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما .
والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ، والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ، أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ، خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما .
قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما(77) …)
وإنه لمن الواضح بمراجعة هذه الآيات كيف جاء الربط والامتزاج والتداخل بين حسن الخلق وبين الإيمان .
يقول الإمام الغزالي : فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات :
فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق .
وفقد جميعها علامة سوء الخلق .
ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض .
فليشتغل بتحصيل ما فقده ، وحفظ ما وجده . اهـ
ونؤكد مرة بعد مرة ما هو ظاهر من وثاقة الصلة بين الأخلاق ، والقيم ، والإيمان ، لا ينفك أحدها في كماله عن الآخر .
وليس أكثر دلالة على هذه الحقيقة في إطلاقها من أن القيومية اسم من أسمائه تعالى ، يقول الله تعالى ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) .
ويترتب على ذلك بداهة أنه لا اعتبار في القيم الإسلامية – ومن ثم في الأخلاق الإسلامية - لمظاهر من الخلق نراها عند بعض الأفراد ، أو المجتمعات ، التي فقدت إيمانها بالله ، أو هي في طريقها لذلك ، وفي هؤلاء يأتي قوله تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا )23 الفرقان
إنه لا اعتبار في القيم الإسلامية لخلق لا يكون قائما على الذاتية الإسلامية :على التسليمية والأخروية ، خالصا لوجه الله الكريم ، وفي ذلك يأتي ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تعالى " أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) .
وإذا كان بعضنا يعجب بأخلاقيات قوم قطعوا صلتهم بدين الله ، حيث وجدوا عندهم شيئا من أشباه الصدق ، والأمانة ، والشجاعة ، واصبحوا يستشهدون على ذلك بمقولة صادرة عن الشيخ محمد عبده يقول فيها إنه وجد في أوربا إسلاما بغير مسلمين – وهي في نظرنا مقولة غير صحيحة ، وما أظنها صدرت عنه إلا كنفثة مصدور من حال المسلمين ، وما صدرت عنه قاصدا أبعادها التي تصب في تيار العلمانية الأخلاقية !! …. … فإن أشباه الأخلاق تلك لتدعو في حقيقتها إلى الأسى : لأنها وقد صدرت عن أسس غير دينية واتجهت إلى غايات دنيوية بحتة : صارت مجرد رافد من روافد الاقتصاد والقوة ، والسيطرة ، لجسد خال من بصيرة الروح ، مكدس بنفايات النفاق…
ومن ثم فإنها – كما اصبح معروفا مشهورا على نطاق الفكر المعاصر – جرت إلى أنواع من المظالم والقلق والاضطراب والصراع ، لم يشهد العالم لها مثيلا من قبل ، على مستوى الإنسان والطبيعة معا … فلم تكن من حسن الخلق في شيء !!.
ومرجع القضية في ثبات الأخلاق الإسلامية وفاعليتها أنها – كما بينا - في خصوصيتها تقوم على التسليم للخالق وهي من حيث هذه الخصوصية لا تقبل الاندراج فيما يسمى ديانة المشترك وإن بدت في مفرداتها وما تدعو إليه من حسن الخلق أقرب ما تكون لذلك وهي من حيث هذه الخصوصية أيضا تنتقل بنا إلى فريضة التميز الثقافي أو تؤسس لها
[1] إحياء علوم الدين ج3 ص 210
[2] \ البذاذة تكلف سوء المظهر والتقحل مثله
[3] الأثوار القطعة من الأقط ، والأقط اللبن المجفف
[4] \ كنـز العمال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























