البعد الغيبي في المبنى الإسلامي3\1\5
كتبهاyehia fargal ، في 10 أكتوبر 2009 الساعة: 07:20 ص
البعد الغيبي في مبنى الإسلام
….. قبل أن تتبخر ظاهرة التدين
3\1\5
أد : يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
بعد الكلام عن الأركان والمبنى نذكر في هذا الجزء البعد الغيبي للمبنى باعتباره الحاضر الساري فيهما ونخص أمرين بالكلام التفصيلي عن : دور الوعد والوعيد ، ودور التحذير من الشيطان ، لما حدث من التقليل من شأنهما أو استبعادهما كلما كان الداعي أو المفتي أكثر حداثة وتطورا وتقدمية !! مما كان له أثر كبير في تعريض ظاهرة التدين للخطر كما بيناه في الجزء الأول
1- في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمر قال : حدثني أبي عمر بن الخطاب ، قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب . شديد سواد الشعر . لا يرى عليه أثر السفر . ولا يعرفه منا أحد . حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فاسند ركبتيه إلى ركبتيه . ووضع كفيه على فخذيه . وقال : يا محمد ! أخبرني عن الإسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وتقيم الصلاة . وتؤتي الزكاة . وتصوم رمضان . وتحج البيت ، إن استطعت إليه سبيلا " قال : صدقت . قال فعجبنا له . يسأله ويصدقه . قال : فأخبرني عن الإيمان . قال : " أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليومالآخر . وتؤمن بالقدر خيره وشره " قال : صدقت . قال : فأخبرني عن الإحسان . قال : " أن تعبد الله كأنك تراه . فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك " . قال : فأخبرني عن الساعة . قال : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " قال : فأخبرني عن أمارتها . قال : " أن تلد الأمة ربتها . وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان " . قال ثم انطلق . فلبثت مليا . ثم قال لي : " يا عمر ! أتدري من السائل ؟ " قلت : الله ورسوله أعلم . قال : " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " . الراوي: عمر بن الخطاب المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم –
هاهو المعلم يأتي من عالم الغيب
يأتي بغيبيات عن أركان الإسلام والإيمان والقدر والساعة والملائكة
2- كما نلفت النظر إلى الحقائق الرئيسية في كيد الشيطان للإنسان والمعركة المفتوحة بينهما – مما يجب على حركة الدعوة أن تضعه في خطتها - كما وردت في قوله تعالى : ( ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ 26 وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ 27 وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ 28 فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ 29 فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ 30 إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ 31 قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ 32 قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ 33 قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ 34 وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ 35 قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ 36 قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ 37 إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ 38 قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 39 إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 40 قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ 41 إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ 42 وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ 43 لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ 44 إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 45 ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ 46 وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ 47 لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ 48 نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 49 وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ 50 ) الحجر
هاهو المعلم يتكلم من عالم الغيب كذلك
يأتي بغيبيات عن أصل الخلقة الإنسانية وتناقضها مع إبليس وصراعها معه ومصير هذا الصراع ومصير المشاركين فيه
ثم إن البعد الغيبي هنا يندمج عمليا في حركة البناء من حيث :
ا - استحضار دور الآخرة و تأثير الجنة والنار
ب - استحضار عملية نزول آدم إلى الأرض والهدف منها وتتبع الشيطان له لإفساد الهدف من هذا النزول ونشر ديانة الشيطان بدلا من دين الله
ويعنينا هنا أن الدعوة المعاصرة قد انكفأت عن هذا الدور ، بتحريض خفي مما يسمى الحداثة والعصرنة
وهنا نخص في هذين الأمرين الكلام بالتفصيل: عن الوعد بالجنة والوعيد بالنار والتحذير من الشيطان: لما حدث من التقليل من شأنها في سياق الدعوة إن لم يكن استبعادها : كلما كان الداعي أكثر حداثة وتطورا ومن ثم كان أكثر ميلا إلى الحلول الدنيوية والمبشرة وحرصا على تجنب ما قد يلحقه من " ثقل الظل " – على الأقل - !! إذا تحدث إلى عصاة عصريين عن الوعد والوعيد والتحذير من الشيطان …!! عصاة ظاهرهم التدين ولكنهم أساءوا إلى التدين من حيث أرادوا أو لم يريدوا !!! مما كان له أثر كبير في تعريض ظاهرة التدين لسوء الاستغلال وسوء التوجيه وخطر التدمير
وهذا ما نخصص له هذا الجزء من هذا المقال
(أما دائرة الروح السارية في المبنى باعتباره مبنى دينيا : أعني روح النية والإخلاص والتوبة فنخصص له الجزء الخامس الأخير من هذا المقال )
دور الوعد والوعيد:
يأتي تأثير الوعد بالجنة في سياق التعويض عن المشقات والآلام التي يصبر عليها المؤمن لقاء الالتزام بالمعروف والانتهاء عن المنكر فيما قد يكون شاقا على النفس الأمارة ، دافعا لها إلى التضحية بالمنفعة الدنيوية العاجلة ، ، وعلى سبيل المثال أن يصبر المجاهد على الشهادة ، وأن يضحي الداخل في الإسلام بما قد يتعرض له من عقوبة أهله ،أو أن يصبر الداعية على ما قد يناله من اضطهاد ، أو أن تلتزم الزوجة بمفارقة زوجها الكتابي عندما تسلم دون أن يضطر المفتي إلى الاجتهاد بجواز استمرارها في عصمته بدعوى الاجتهاد والتسهيل وتغيير الأحكام بتغير الأحوال ، فهناك الجنة وهي الأفضل والأبقى ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى 14 وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى 15بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا 16 وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى 17 ) الأعلى ،( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 45 ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ 46 وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ 47 لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ 48 نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 49) الحجر ، ومن ثم لا يكون هناك ضرورة حقيقية لإباحة المحرم ، ومن هنا يتبين كيف خسرت الدعوة عندما أخرت الكلام عن الآخرة
أما الوعيد بالنار فهو أقوى تأثيرا
قال أبو سليمان الداراني : أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عز وجل وكل قلب ليس فيه خوف من الله فهو قلب خرب
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن معسر عن عبد الأعلى : ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الجنة والنار إلا قال الملائكة أغفلوا العظيمتين ) المصدر التخويف من النار لابن رجب
هكذا تتبين مركزية التخويف من النار في الدعوة إلى الإسلام وهي إنما تزداد بيانا بوضعها موضعها الصحيح ضمن إطار فلسفة الإنذار بشروطها العملية الأربعة
وهي شروط تتعلق بمصدر الإنذار: أن يكون هو المصدر الأكبر بإطلاق ( الله أكبر ) ، ثم بموضوع الإنذار : أن يكون هو الخطر الأكبر بإطلاق " النار " ، ثم بمورد الإنذار : أن يكون الإنذار الموجه إليه في حدود طاقته مصداقا لقوله تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ، ثم بحامل الإنذار : أن يكون هو النموذج في الاستجابة لهذا الإنذار ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )
وقد شرحنا هذه الشروط في كتابنا تجديد منهج البحث في العقيدة ، وكتابنا فلسفة الإنذار
وهي شروط تعلن البراءة الكاملة من أوزار الفلسفة النظرية اليونانية ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ 1 وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ 2 الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ 3) الانشراح
وهي مبنية على فشل العقل النظري واستبعاده من كل ما هو عملي أو يترتب عليه عمل وفي هذا المجال يأتي الدين والعلم والحياة
إن أصحاب العقل النظري ( اليوناني ) هم الذين يعصبون أعينهم بغشاوات يشير إليها قوله تعالى( يس 1 وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ 2 إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ 3 عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 4 تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ 5 لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ 6 لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 7 إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ 8 وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ 9 وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ 10 إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ 11 إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ 12) يس
أية أغلال وأية سدود وأية أوزار إن لم تكن هي الأنظار والتأويلات التي يشترط عليك النظريون خوضها من خلال ركام فلسفات سقراط وأفلاطون وأرسطو والفارابي وابن سينا وابن رشد والقاضي عبد الجبار والعلامة عضد الدين الإيجي التي خضعنا لغزوها - في دورة الغزو الثقافي الأول – وما نزال .
إن طبيعة العقل النظري وجدليته المفرغة وسجن الذاتية الذي هو واقع فيه –، و كما قدمه الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال ،في شبهة الحلم ، ومشكلة الحاكم على العقل ، وطبقا لـ " كانط " في نقد " العقل الخالص " وكما تتبعناه في علم الكلام والفلسفة الإسلامية ، والغربية ، وشرحناه في رسالة الدكتوراة وما ألحق بها - هي التي تعجزه عن التفرقة بين الحق والباطل
وفي طريق العقل النظري سارت اليونان وسارت الحضارة الهيلينية والرومانية
وإلى هذا الطريق انحرف ما يسمى الفلسفة الإسلامية التقليدية عند الفارابي وابن سينا وابن رشد وعلم الكلام : أنقضوا ظهورهم بالبحث في ماهية العقل ، وأول واجب على المكلف هل هو النظر أو الشك ، وفي العالم أقديم هو أم حادث ، وكيف حدث بغير تغير في الذات الإلهية ، وإبطال الدور والتسلسل ، وفي صفات الله أقديمة هي أم حادثة ، وعينَ الذات هي أم زائدة ، وإمكان المعجزة ودلالتها ؟ إلخ هذه الأوزار التي يخاطب القرآن فيها الإنسان من خلال حديثه للرسول عليه الصلاة والسلام ( ووضعنا عنك وزرك )
والحل مبدئيا هو في اللجوء إلى العقل العملي الذي هو ( قوة التصرف في الموضوعات وتمييز المصالح من المفاسد لانتظام أمر المعاش والمعاد ) كما عرفه بعض علماء الكلام معتزلة وأشاعرة
لا مجال أمام الإنسان خارج العقل العملي على أي مستوى من مستويات ممارسة الحياة في النظر و المعيشة والسياسة والعلم والدين والدنيا والآخرة
ونستعير هنا ما قاله المتنبي :
: السيف اصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
وبنظرة إلى بعض تاريخ الأنبياء تأتي سيرة موسى عليه السلام مع فرعون بكاملها
إن المأساة في هذه القضية هي مأساة العقل النظري المسحور
في عجز فرعون عن التفرقة بين الحقيقة التي تمثلها الحية التي تسعى حقيقة وبين الزيف الذي تمثله الحية التي تسعى سحرا
وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى ( َفلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ 76 قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ 77 قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ 78) يونس
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ 79 فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ 80 فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ) يونس
وماذا يفرق بين الحق والسحر ؟ إنه الفعل النافذ : ( إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ 81 وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ 82 ف)يونس
ثم بأتي قوله تعالى في سورة الشعراء (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ 45 فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ 46 قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ 47 رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ 48) الشعراء
الفعل هو الحكم وليس غير الفعل قطعا لسلسة الشك أو الجدل
وهذا ما حققه موسى عليه السلام بعصاه عندما أطلقها الخالق حية تسعى
والأمر هنا أشبه بما كان في حادث الطوفان ، على يد نوح عليه السلام ،وقصة هود وصالح عليهم السلام ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ 25 أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ 26 ) ( قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ 32 ) هود
(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ 38 فسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ 39حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ 40)هود
( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ 50يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 51وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ 52قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ 53 ) (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ 58 ) 60 هود
( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ 61 قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 62 قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ 63 وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ 64 فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ 65 فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ 66 وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ 67 كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ 68) هود
رسالات كلها قدمت الإنذار قبل أن يأتيهم العذاب ، إنذار ليس أمامه من خيار غير حدين لا ثالث لهما : ليس أمامه من تصرف إلا التصديق أو التكذيب ، أما بلاهة اللاأدرية فليس لها مكان
وهو يأتي في تقديرنا في مستوى العقل العملي وهو مستوى أرقى من مستوى العقل النظري التائه في الدائرة اليونانية المفرغة ، لا كما تصور التطوريون من عكس لهذا الترتيب !!
تصديق يؤدي إلى ركوب السفينة وليس به احتمال الغرق
وتكذيب تنتصب أمامه راية الهلاك
إنه يكفي المنذر أن يكون قد أبلغك ،وأنت بعد ذلك مسئول عن نفسك إذا صدقت فلنفسك وإذا كذبت فعليها لقد أعذر من أنذر
إذا أنذرتك أن الطعام الذي أمامك مسموم وعليك أن تتجنبه …إذا أنذر المنذر أن جيشا يسير نحو بلدك يريد أن يغير عليها …فيكفيه ويكفيك هذا
إن المنذر في هذه الحالة ليس مطالبا بأن يقدم لك أدلة التصور العقلي ، ويستخرجـــها لك من أعماق الفلسفة ، وما أشبه
وليس من الجائز في حق نفسك أن تتوقف عن مواجهة الخطر حتى تأتيك الأدلة السهلة أو الأدلة العويصة …
إن المنذر لو قدم لك وثيقة من الطبيب تؤكد لك أن الطعام مسموم لكان في إمكانك أن تجـــادل وأن تقول : من أدراني أن الطبيب ليس طبيبا ؟
ولو أثبت لك أن الطبيب طبيب حقا لكان في إمكانك أن تجادل وأن تقــــول : ومن أدراني أن الوثيقة ليست مزورة ؟
وحتى لو أثبت لك أن الوثيقة ليست مزورة ، لكان في إمكانك أن تقول : ومن أدراني أن الطبيب له غرض آخر خفي من هذه الوثيقة ؟وهكذا إلى ما لانهاية في باب الجدل والمراء إن الإنذار هنا نوع من الكلام ربما كان على علماء البلاغة أن ينشئوا له نوعـــا جديدا غير ما وضعوه من نوعي الإنشاء والخبر .
إنه ربما يوضع في نوع جديد يسمى النوع الإنذاري وهذا النوع الإنذاري لا يحتمل إلا التصديق بعد شروط عملية ميسورة وقد حسم رجل مؤمن من آل فرعون القضية على أساس هذا المنهج إذ قال لقومه : ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وإن يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) 28 غافر
وفي قوله تعالى ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر )39 النساء
ولقد حسم الإمام علي رضي الله عنه الموقف في هذا الباب بقوله لمن كان يماريه في أمرالآخرة ( إن كان الأمر كما زعمت تخلصنا جميعا ، وإن كان الأمر كما قلت هلكت ونجوت ..)
ومع ذلك يستمر إنكار المنكرين خضوعا منهم للحالة النفسية التي يكشفها القرآن الكريم في قوله تعالى : ( كلا بل تحبون العاجلة ) وهي حالة تدفع بهم إلى مقاومة الآيات باللجوء إلى السخرية كما تفعل الدعايات العلمانية العصرية في مقاومة ظاهرة التدين التي يسمونها مغشوشة :
( وإذا رأوا آية يستسخرون ، وقالوا إن هذا إلا سحر مبين )
إننا نؤكد أن ما بدأت به العقيدة الإسلامية من الإنذار بالنار يقدم منهجا متكاملا يقوم على النظرة العملية – والتي أدت فيما بعد إلى العلم التجريبي - والتي لا صلة لها بمواريث العقل اليوناني أو الفلسفة الإسلامية التقليدية المكبلة بها
إن أصحاب العقل النظري اليوناني يسلكون طرقا مريضة بالشك بعد أن تنقصم ظهورهم بأوزاره الثقال كما أشارت إليهم سورة الانشراح ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ 1 وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ 2 الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ 3)
هم الذين تقول عنهم سورة يس ( وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ 10 إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ 11)
ومن ثم فهي – فلسفة الإنذار - تختصر الطريق وترجع بنا إلى منطق الرسل : منطق الإنذار
ماذا بعد الموت ؟ كيف يتجاهل الملحد هذا السؤال وماذا عنده من الإجابة عليه ؟ - كما يقول الفيلسوف الفرنسي باسكال ؟
وكيف يتصرف الإنسان أمام إنذار بأن الطعام المقدم إليه مسموم - كما يقول الإمام الغزالي ؟ هل يطلب الدليل من العقل النظري ؟ أم أنه يبادر عمليا إلى توقيه ؟
لا مفر من المواجهة بمنطق الوقائع العملية ، وتبدأ من إعلان الخطر القادم (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنذِرْ ) 2 المدثر
(إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ 11 إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ 12 ) يس
ومن هنا نقول إن الطريق المعتمدة للوصول إلى معرفة الله ورسوله تقوم على المنطق العملي وأن العقل الذي يحترمه الإسلام هو ما يمكن أن نسميه العقل العملي – والذي أثمر العلم فيما بعد - والذي عرفه علماء الكلام كما ذكرنا سابقا
بهذا المنطق العملي أقامت أجيال صدر الإسلام البناء ، البناء الإسلامي ، وفي توابعه الحضارة الإسلامية ، ثم تسرب إليهم المنهج النظري اليوناني وتم بذلك جزء من تزييف وعي المسلم ووجدانه وإبعاده عن منهجه الصحيح واستمر هذا التزييف وترتب عليه التعتيم على ذكر النار وتسخيف الدعاة الذين يشغلون الناس بها أو يحدثونهم عنها
إننا نؤكد أن ما جاء من الإنذار بالنار هو أول ما جاء في التبليغ بالعقيدة الإسلامية وذلك في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنذِرْ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 4 وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ 5 وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ 6 وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ 7 فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ 8 فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ 9 عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ 10)
(أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ 2) يونس
وهو في الوقت نفسه : يقدم للإنسانية منهجا أصوليا مكتملا يقوم على النظرة العملية المستمدة من العقل العملي والتي لا صلة لها بمواريث الفلسفة الإسلامية التقليدية
وأن الاعتقادات وفقا للمنهج الإسلامي هي عمل أو أصل لعمل أو ثمرة لعمل .. منذ اللحظة الأولى التي يعلن فيها الإسلام
والخلافات الذي قامت بين المتكلمين – ومزقتهم فرقا يكفر بعضهم بعضا – والتي دارت حول القرآن الكريم قديم أم مخلوق ، وصفات الله زائدة عن الذات أم عينها ، والقدر كيف يوفق الله فيه بين مشيئته واختيارية الإنسان ، ومعصومية الأئمة الاثني عشر الذين توفي آخرهم منذ عام 265 هـ - عند الإمامية .. خلافات لا يترتب عليها عمل
ونبين أن ما جاء عن النار في العقيدة الإسلامية يؤكد أن الإنسانية تتعرض لحدث محكوم بميزان الله مما يطلق عليه البشر قوانين الطبيعة ويصحح القولَ فيه أن نقول قوانين الكون ، الكون الموزون بميزان الله( الرَّحْمَنُ 1 عَلَّمَ الْقُرْآنَ 2 خَلَقَ الْإِنسَانَ 3 عَلَّمَهُ الْبَيَانَ 4 الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ 5 وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ 6 وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ 7 أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ 8 وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ 9 ) الرحمن
وهناك تلازم بين أن يكون حادث النار حقيقة واقعية من سنن الله محكوما بموازين الله للطبيعة وبين كونه حقيقة جزائية أخلاقية من ناحية أخرى
ذلك أنه من سنن الله أيضا أن يكون للحدث الكوني وجهان أو أكثر
وجه من حيث هو نتيجة لقوانين كونية وضعها الخالق لهذا الكون المنظم الموزون (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ 7.. ) ووجه من حيث هو ثواب أو عقاب لمن استجاب أو لم يستجب لمقتضيات هذا الميزان بعد أن أحيط به علما ورسم له طريق النجاة والفوز .
فعندما يقال لقائد السيارة بصيغة وصفية مثلا : إذا سرت بدون ماء في الرادياتير احترقت سيارتك ولحق الأذى بك وبمن حولك فإذا به يتصرف كأن لم يسمع هذا التقرير فاحترقت سيارته ولحق الأذى به وبمن حوله فتلك حقيقة واقعية طبيعية كونية
ونفس هذا الحدث يمكن أن نقدمه بصيغة أمرية مشمولة بالإنذار والوعيد إذا قيل له : حذار من أن تسير بسيارتك بغير ماء في الرادياتير وإلا كان جزاؤك على هذه المخالفة أن تحترق
فإذا به يتصرف كأن لم يسمع هذا الإنذار فاحترقت سيارته أو احترق بها فتلك حقيقة أوردناها من حيث هي حقيقة جزائية أخلاقية
وهكذا جاء الإنذار بالنار
قدمه لنا الله من حيث هو حقيقة كونية تندرج تحت النظام الكوني والسنن الإلهية وسبيل الله
حذرنا منها
وأنذرنا بها
أنذرنا بها كما يحصل الإنذار دائما ببعض حقائق المستقبل المحجوب
ثم حذرنا منها كما يحصل الإنذار دائما من تجاهل حقائق المستقبل المغيبة عن مداركنا المحدودة طالما توفرت للإنذار شروطه الأربعة : بحسب المنذر ويحسب موضوعه وبحسب مورده وبحسب حامله
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ 6)التحريم
(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ 26 وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ 27 لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ 28 لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ 29 عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ 30 وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) 31 المدثر
هكذا يقول المنذر
ويقول تعالى (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا 68 ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا 69 ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا 70 وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا 71 ) مريم
هكذا ينذرنا العليم
ولذلك تكون النجاة لمن ابتعد بنفسه عن طريق هذا الحدث منذ البداية إذ يقول الله تعالى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا 72) مريم
هكذا ضمن لنا المنجي القدير
ومن هنا جاء ذكر الصراط (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ 63 اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ 64 الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 65 وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ 66 وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ 67)يس
هكذا أمر الرحمن
وهو جسر منصوب على متن جهنم يمر الناس منه على قدر أعمالهم
هكذا أعلمنا الله
فمنهم من يمر كلمح البصر
ومنهم من يعدو عدوا
ومنهم من يزحف زحفا
وقد جاء في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم (يوضع الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل ودعوة الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم )
هكذا أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه ، فقال : يا محمد ، إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي ، قال : ( ادعوه ) . فدعوه ، قال : ( ألطمت وجهه ) . قال : يا رسول الله ، إني مررت باليهود فسمعته يقول : والذي اصطفى موسى على البشر ، قال : قلت : أعلى محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فأخذتني غضبة فلطمته ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا تخيروني من بين الأنبياء ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق قبلي ، أم جوزي بصعقة الطور ) . الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6917خلاصة الدرجة: [صحيح]
ويقول صلى الله عليه وسلم ( إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها ، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها ، فأنا آخذ بحجزكم عن النار ، وأنتم تقحمون فيها )الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري – صحيح البخاري –وفي رواية أخرى ( يوضع الصراط بين ظهراني جهنم على حسك كحسك السعدان ثم يستجيز الناس فناج مسلم ومخدوج به ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها
الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: الألباني – المصدر: صحيح ابن ماجه – الصفحة أو الرقم: 3472خلاصة الدرجة: صحيح
وفي رواية عن عائشة – رضي الله عنها - : أنها ذكرت النار ، فبكت ، فقال لها صلى الله عليه وسلم : فما يبكيك ؟ ! ، قالت : ذكرت النار فبكيت ، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ ! فأما في ثلاثة مواطن ؛ فلا يذكر أحد أحدا : عند الميزان ؛ حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل ؟ ! وعند الكتاب ؛ حين يقال : هاؤم اقرأوا كتابيه ؛ حتى يعلم أين يقع كتابه ؛ أفي يمينه أم في شماله ، أو من وراء ظهره ؟ ! وعند الصراط ؛ إذا وضع بين ظهراني جهنم . ) الراوي: عائشة المحدث: الألباني – المصدر: تخريج مشكاة المصابيح –
يجب أن نعلم أن الكفار والعصاة يتصادمون مع سنن الله في الكون ومن هنا جاءت منطقية الهلاك بالنار إذ يتصادمون مع سبيل الله
كل ما في الوجود يتحرك حركته طائعا في سبيل الله يقول تعالى (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ 9 وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ 10 ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ 11 فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ 12 فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ 13) فصلت
وإشكالية الإنسان أنه أراد الله له أن يتحرك حركته المرسومة في سبيل الله كما هو الشأن في المخلوقات جميعا إلا أنه استثناء منهم أراد له أن تكون حركته باختياره
ومن هنا فإن المخالفين يجدون أنفسهم في خلاف لا مع خالقهم فحسب ولكن مع المخلوقات جميعا ، مع الكون ، مع الطبيعة ، مع قوانين الطبيعة قوانين الله ، مع قوانين الكون المخلوق الموزون : دنيا وآخرة . ولا منجاة لهم من سحق الكون لهم بالنار لأنها قوانين وسنن كقوانين التنفس وقوانين الجاذبية أو أدق منها جميعا ومن هنا فإننا نجد النار تسعى إلى هؤلاء المخالفين وتطلبهم طلبا موضوعا موزونا كما أنهم يتحركون نحوها حركة موضوعة موزونة
إن جهنم خلقت لتستقبلهم هناك في آخر طريق الانحراف
وفي رواية لأبي هريرة رضي الله عنه (يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصر بهما وآذان يسمع بهما ولسان ينطق به فيقول إني وكلت بثلاثة بكل جبار عنيد وبكل من ادعى مع الله إلها آخر والمصورين الراوي: أبو هريرة المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد - خلاصة الدرجة: إسناده صحيح)
وفي رواية لأبي سعيد الخدري ( يخرج عنق من النار يتكلم يقول : وكلت اليوم بثلاثة : بكل جبار عنيد ، و بمن جعل مع الله إلها آخر ، و بمن قتل نفسا بغير نفس ، فينطوي عليهم ، فيقذفهم في غمرات جهنم الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة – خلاصة الدرجة: حسن
وفي رواية لأبي سعيد الخدري ( إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة ، أقبلت النار يركب بعضها بعضا ، وخزنتها يكفونها ، وهي تقول : وعزة ربي ليخلين بيني وبين أزواجي ، أو لأغشين الناس عنقا واحدة ، فيقولون : ومن أزواجك ؟ فتقول : كل مختال فخور ، فتلتقطهم بلسانها ، وتقذفهم في جوفها ، ويقضي الله بين العباد
الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: السيوطي - المصدر: البدور السافرة - خلاصة الدرجة: رجاله ثقات
إنهم مطرودون من الكون ( ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات على الأرض يستأذن الله في أن ينفضح عليهم فيكفه الله عز وجل ) الراوي: عمر بن الخطاب المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد خلاصة الدرجة: إسناده ضعيف
وليس للعصاة مكان فيه غير النار
وذلك بعد أن أخذوا فرصة التكريم والهداية والتوبة والإصلاح في هذه الدنيا فضيعوها
النار هناك تنتظرهم فهم وقودها الذي تنتظره (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ 6 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 7) التحريم
وهي في انتظارها تتميز من الغيظ : (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 6 إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ 7 تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ 8 قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ 9 وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ 10 فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ 11 ) الملك
إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا 12)الفرقان
والنار تنتظرهم هناك بشراهة (فأنذرتكم نارا تلظى ) 14 الليل
(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ 49)التوبة
وهي تنتظرهم بطول انتظار وترقب واستزادة ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ 30 ) ق
وهي واقعة تهدد الكفار والعصاة لكن تخشاها المخلوقات جميعا ويخشاها الملائكة والنبيون كذلك ولا منجاة لأحد بغير العناية الإلهية انطباقا مع صرامة قوانين الله ونفاذ سننه في الكون
لننظر إلى قوله تعالى عن الملائكة والأنبياء جميعا ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ 26 لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 27 يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ 28 وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ 29) الأنبياء
( ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا 39) الإسراء
(وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 74) البقرة
وروى ابن أبي الدنيا من حديث أبي فضالة عن أشياخه قال ( إن لله عز وجل ملائكة لم يضحك أحدهم منذ خلقت جهنم .. ) التخويف من النار لابن رجب ص 39
وروى البخاري بسنده أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا سيد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون مم ذلك ؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد ، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ، وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقول الناس : ألا ترون ما قد بلغكم ، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض : عليكم بآدم ، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له : أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟ فيقول آدم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوح . فيأتون نوحا فيقولون : يا نوح ، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وقد سماك الله عبدا شكورا ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول : إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى إبراهيم . فيأتون إبراهيم فيقولون : يا إبراهيم ، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات - فذكرهن أبو حيان في الحديث - نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى موسى . فيأتون موسى فيقولون : يا موسى ، أنت رسول الله ، فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها ، نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى . فيأتون عيسى فيقولون : يا عيسى ، أنت رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وكلمت الناس في المهد صبيا ، اشفع لنا ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله قط ، ولن يغضب بعده مثله - ولم يذكر ذنبا - نفسي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم . فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقولون : يا محمد أنت رسول الله ، وخاتم الأنبياء ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فأنطلق فآتي تحت العرش ، فأقع ساجدا لربي عز وجل ، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال : يا محمد ارفع رأسك ، سل تعطه ، واشفع تشفع ، فأرفع رأسي فأقول : أمتي يا رب ، أمتي يا رب ، فيقال : يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده ، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير ، أو : كما بين مكة وبصرى ) .
الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري -
وفي رواية لأبي هريرة بسنده ( لما خلق الله الجنة والنار ، أرسل جبرائيل إلى الجنة ، فقال : اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت إلى أهلها فيها ، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها ، فرجع فقال : وعزتك ، لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، فأمر بالجنة ، فحفت بالمكاره ، فقال : ارجع فانظر إليها ، وإلى ما أعددت لأهلها فيها ، قال : فنظر إليها ، ثم رجع فقال : وعزتك ، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد ، قال : ثم أرسله إلى النار ، قال : اذهب انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها ، قال : فنظر إليها ، فإذا هي يركب بعضها بعضا ، ثم رجع فقال : وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها ، فأمر بها فحفت بالشهوات ، ثم قال : اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها ، فذهب فنظر إليها ، فرجع فقال : وعزتك ، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها ) الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: شرح الطحاوية - خلاصة الدرجة: صحيح
وهي الواقعة التي لا ينجو منها إلا من اتجه إلى طريق النجاة .
هنا يسلم الإنسان نفسه لله يقول تعالى : ( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ 54 وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ 55 أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ 56 أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ 57 أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 58 بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ 59 وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ 60 وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ 61 اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ 62 لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 63 قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ 64 ) الزمر
وليس المراد بالخوف من النار مرضا يشل الحركة ويوقع في الذهول ويقطع عن العمل
ولهذا كان بعض السلف يخافون على عطاء السلمي من شدة خوفه الذي أنساه القرأنووألزمه الفراش
وإنما المقصود ما يدفع إلى الطاعة ويبعد عن المعصية
إن الإنذار الذي اطرد مجيئه واستفاض في رسالات الرسل لم يكن محض تهديد أو نفثة غضب على العصاة وإنما هو باب رحمة فتح لهم قبل أن تقع الواقعة ( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ 1 لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ 2 خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ 3 إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا 4 وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا 5 فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا 6 وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً 7 فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ 8 وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ 9 وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ 10 أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ 11 فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ 12 ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ 13 وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ 14)
ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله تعالى على عباده الذين اتقوه قال تعالى ( هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن فبأي آلاء ربكما تكذبان ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان )
قال سفيان بن عيينة ( خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا ) أخرجه أبو نعيم
ولذا فنحن في هذا الحدث محتاجون إلى التوجه إلى صاحبه قبل حدوثه بالمنطق العملي نطلب منه أن يأخذ بأيدينا إلى طريق النجاة
هذا الطريق الذي لا يملكه مخلوق
وهو الذي يملكه الخالق
لا يملكه إلا الله
يقول تعالى (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ 8 بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ 9 فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ 10 يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ 11 رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ 12 أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ 13 ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ 14 إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ 15 يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ 16 )الدخان
في رواية ذكرها ابن رجب من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما يدخل الجنة من يرجوها ويجنب النار من يخافها وإنما يرحم الله من يرحم ) ولعله من يرحم نفسه أولا
يتبع
والله أعلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























