قبل أن تتبخر ظاهرة التدين في المرجئة العصرية 4\5

كتبهاyehia fargal ، في 10 أكتوبر 2009 الساعة: 10:54 ص

 

قبل أن تتبخر ظاهرة التدين
… دعوة إلى  الحقيقة البنائية للإسلام
انبعاث ميراث المرجئة )
 
أد : يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
a-9-0@maktoob.com
بسم الله الرحمن الرحيم
 
4\5)
مصدر الخطر الرابع يتمثل في ميراث المرجئة - - فرقة المرجئة التي تمطت متثائبة داخل المجتمع المصري في غفلة الانشغال بما يسمى مقاومة الشيعة والوهابية ، وفي خضم العمل على ترسيخ العلمانية ، ، وبخاصة في أوساط الفنانين وبعض العلمانيين وبعض المثقفين الحداثيين ، حيث تنمو كل منها على عفن الآخر تحت قاعدتين أساسيتين من قواعد فرقة المرجئة : إرجاء الحكم بالإيمان والكفر ، وقاعدة : لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة
وسوف نحاول الكشف عن هذا الامتداد القابع وراء ما يسمى تمدد الشيعة تارة ، أو خروج المحكمة تارة ، أو تمدد الوهابية تارة أو تمدد القاعدة تارة أو خطر المحظورة تارات …
يتحدثون عن أمراض صاحبت ظاهرة التدين كما تصحب الحشائش السامة نبات الحنطة في أرض موبوءة سلفا ، وقد كان من واجب المراقب كما هو واجب الزارع المستفيد أن يتعامل مع هذه الحشائش بهدف تخليص الحنطة منها قبل أن يتمكن أعداء الحقل برمته أن يتحدثوا عنها لاقتلاع الحقل بأكمله
ونشير أولا : إلى بعض هذه الحشائش مما كتبه بعض هؤلاء
في هذا الاتجاه كتب عمرو الشوبكيبتاريخ  ١٧/ ٩/  ٢٠٠٩بجريدة المصري اليوم تحت عنوان " التدين المغشوش " حيث زعم أنه ( من الصعب أن نجد شعباً آخر فى العالم استوفى كل مظاهر التدين " الشكلي " مثلما فعل الشعب المصري فى العقود الثلاثة الأخيرة، ) ثم يحمل مظاهر هذا التدين وزر ما يصحبها (!!) من انحدار أخلاقي لم تعرفه مصر من قبل (، فلأول مرة في تاريخ مصر «أو في أي دولة في العالم» يبث فيها في شهر واحد ما يقرب من ٦٠ مسلسلاً يستحيل على أى مشاهد إذا بقى أمام التليفزيون ٢٤ ساعة دون نوم أو عمل أن يشاهد ربعها.) ويزعم أن جمهور المسلسلات ومتابعي البرامج الحوارية الهابطة، هم جمهور المساجد (!!) ،  ثم يحمل هؤلاء مسئولية ما يجري في الواقع من الانحدار الأخلاقي  ( حيث قل الإنتاج وزاد الفساد والكذب وجرائم القتل، وانتشر التحرش الجنسي، وملأت القمامة شوارع مصر «رغم أن النظافة من الإيمان» وانهار الأداء العام.) ثم يسخر من هذه المظاهر المغشوشة قائلا ( لا أتصور أن هناك مجتمعاً طبيعياً أو صحياً في العالم يعيش على الفتاوى الدينية، ويتنفس ثقافة الحلال والحرام مثل مصر، ومع ذلك يمارس فى واقعه اليومي عكس ما يسمعه أو ما يتمسك به من مظاهر وصور دينية ) ثم يقول :
، (، فمعظم الموظفين يتوقفون عن العمل ساعة صلاة الظهر، وفى الوقت نفسه، زادت الرشوة وأصبحت لغةَ التعامل الرسمي بين المواطن وموظف الحكومة، وقل الإنتاج وغابت الجودة وقيم الإبداع.) كما يحملهم مسئولية أن تمتلئ محافظة الجيزة بالقمامة لمدة ما يقرب من شهر، حيث ( لم يستفزهم المظهر ولا الرائحة ولا الأوبئة رغم أنهم يدعون أنهم متدينون،(!!)  فأى نوع هذا من التدين؟ وأي غش وانفصام في الشخصية أصاب مجتمعنا؟!)
ثم يقول : ( هذه هي تجليات ثقافة التدين الجديد، فكما في السياسة أنتج الحكم «الفكر الجديد»، ففي الدين أنتج أيضاً التدين الشكلي ، والمغشوش لمجتمع يسير بخطى ثابتة نحو الغيبوبة الكاملة.) ثم يربط مرة أخرى بين المسلسلات والدعاة الجدد قائلا ( ألا يدفعنا هذا المشهد إلى التفكير بأن هناك على الأقل خللاً وتناقضاً بين كل هذه الظواهر؟ ومتى نستطيع أن نخرج من أسر تحالف المسلسلات والدعاة الجدد، …….
إننا نعيش بلا أدنى شك عصر التدين المغشوش الذي تاجر به البعض، وغيب عقل البعض الآخر، وأراح البعض الثالث «بالنضال السياسي» غير المكلف عن طريق الدعاء والصلاة، ) amr.elshobaki@gmail.com
هكذا وبحرفية الكاتب القدير تصبح بؤرة الضوء الساخط في المقال مسلطة على الدعاء والصلاة !!
وفي الاتجاه نفسه تحت عنوان هل المصريون متدينون فعلاً..؟! كتب علاء الأسواني بالشروق بتاريخ 1\9\2009 يشكو قائلا (على مدى سنوات، عملت طبيبا للأسنان فى هيئة حكومية كبرى تضم آلاف العاملين. وفى اليوم الأول بينما كنت أعالج أحد المرضى، انفتح باب العيادة وظهر شخص، … دعاني لأداء صلاة الظهر جماعة، فاعتذرت حتى أنتهي من عملي ثم أؤدي الصلاة… ودخلنا في مناقشة كادت تتحول إلى مشادة، لأنه أصر على أن أترك المريض لألحق بالصلاة، وأصررت على استئناف العمل.)
 
ثم يقول ( اكتشفت بعد ذلك أن كثيرا من العاملين بالرغم من التزامهم الصارم بأداء الفرائض، يرتكبون انحرافات جسيمة كثيرة بدءا من إساءة معاملة الناس والكذب والنفاق وظلم المرؤوسين وحتى الرشوة ونهب المال العام. بل إن الدكتور الذي ألح في دعوتى للصلاة، تبين فيما بعد أنه يتلاعب فى الفواتير ويبيع أدوية لحسابه.. إن ما حدث فى تلك الهيئة يحدث الآن في مصر كلها… مظاهر التدين تنتشر في كل مكان، لدرجة جعلت معهد جالوب الأمريكي، في دراسة حديثة له، يعتبر المصريين أكثر الشعوب تدينا على وجه الأرض.. وفى نفس الوقت ، فإن مصر تحتل مركزا متقدما فى الفساد والرشوة والتحرش الجنسي والغش والنصب والتزوير..)
ثم يتساءل : هل تحول ملايين المصريين إلى نماذج من تارتوف في المسرحية التي كتبها الكاتب الفرنسى الكبير موليير والتي رسم فيها شخصية رجل دين فاسد يسمى تارتوف.؟.

وبعد أن يصرح بأنه يعتقد أن المشكلة في مصر أعمق من ذلك.. فالمصريون متدينون فعلا عن إيمان صادق.. لكن كثيرا منهم يمارسون انحرافات بغير أن يؤلمهم ضميرهم الديني . (فإن مئات الشبان الذين يتحرشون بالسيدات فى الشوارع صباح يوم العيد، قد صاموا وصلوا في رمضان.. ضباط الشرطة الذين يعذبون الأبرياء، الأطباء والممرضات الذين يسيئون معاملة المرضى الفقراء في المستشفيات العامة، والموظفون الذين يزورون بأيديهم نتائج الانتخابات لصالح الحكومة، والطلبة الذين يمارسون الغش الجماعي، معظم هؤلاء متدينون وحريصون على أداء الفرائض.. إن المجتمعات تمرض كما يمرض الإنسان. )
ثم يشخص المرض فيقول ( ومجتمعنا يعانى الآن من انفصال العقيدة عن السلوك.. انفصال التدين عن الأخلاق.. وهذا المرض له أسباب متعددة: أولها النظام الاستبدادي الذي يؤدى بالضرورة إلى شيوع الكذب والغش والنفاق وثانيا إن قراءة الدين المنتشرة الآن فى مصر إجرائية أكثر منها سلوكية. بمعنى أنها لا تقدم الدين باعتباره مرادفا للأخلاق وإنما تختصره فى مجموعة إجراءات إذا ما أتمها الإنسان صار متدينا. سيقول البعض إن الشكل والعبادات أركان مهمة في الدين تماما مثل الأخلاق.. الحق أن الأديان جميعا قد وجدت أساسا للدفاع عن القيم الإنسانية: الحق والعدل والحرية.. وكل ما عدا ذلك أقل أهمية…) هكذا ربما لأن هذه الشعارات هي التي رفعتها ثورات علمانية
 ثم يقدم رواية غير ثابتة حديثيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلص منها أن القيمة الأساسية في الإسلام هي العمل ( فالذي يعمل وينفق على أهله أفضل عند الله من الناسك المنقطع للعبادة لكنه لا يعمل. !!) ثم يقرر ((إن التدين الحقيقى يجب أن يتطابق مع الأخلاق.. وإلا.. فإن الأخلاق بلا تدين أفضل بكثير من التدين بلا أخلاق….. الديمقراطية هي الحل.) Dralaa57@yahoo.com .. هكذا يقول المفتي السيد علاء الأسواني .
وفي هذا الاتجاه نفسه يقول د محمد أبو الغار ( .. فجأة أصبح التدين في معظمه مظهريا وبعد أن كان العمل كما كان يقول آباؤنا (!!) – كأنما أصبح الآباء هم مصدر الوحي - فريضة أصبح مهملا وأصبح ترك العمل في عز النهار للصلاة في الجامع لمدة طويلة شيئا عاديا ولا يهم من تتعطل أعماله وأصبح الكلام في الدين هو التدين وليست العلاقة السامية الشفافة مع الرب ) المصري اليوم 6\9\2009
###
هذا هو النقد الذي يتم فيه تحويل حال المسلمين أو المتدينين منهم بخاصة إلى سهام ضدهم وضد تدينهم بالإسلام نفسه . نقد ظاهره الرحمة وباطنه العذاب ، باطنه يؤدي إلى هدم بقية مبنى الإسلام بالكلية باعتباره إما فاشلا وإما هادما أو هما معا
ونحن نقر بوجود هذه المظاهر لكننا نحذر من الدعاية الخبيثة ضدها حيث تؤدي إلى القضاء عليها دون علاجها ، وعلاجها لم يكن هدفا للكاتبين بقدر ما كان هو السخرية والتحقير ، وعلاجها لا يمكن أن يتم بغير الغوص في المفاهيم الدينية الواضحة الصحيحة لنكتشف أن هؤلاء قد أصابتهم آفات الحشائش الطفيلية التي تخنق الحنطة المقصودة
وطرو الحشائش في تقديرنا وتقدير من قد يتفق معنا بإنصاف ترجع إلى :
: أن هؤلاء الموصوفين بالتدين المغشوش اختصروا الإسلام في بعض أركانه الأساسية دون مبناه الشامل كما بينا ذلك في الجزء الأول و الثاني من هذا المقال ، خاليا من بعده الغيبي وبخاصة في استحضار مطالب الآخرة والخوف من النار وكيد الشيطان كما بينا في الجزء الثالث
وزاد الطين بلة أنهم قد استيقظ فيهم ميراث فرقة المرجئة
والقضية التى شغل بها المرجئة هى قضية الإيمان : ماهو ؟ وما علاقته بالعمل أو علاقة العمل به ؟ وما حكم مرتكب الكبيرة ؟ وما موقفه من وعيد الله للعاصين ؟
       ولقد شغل المرجئة بهذه القضية في بداية نشأة الفرق فى عصر كانت فيه مطروحة بين أنواع كثيرة من الفرق ، فكانوا استجابة لعصرهم واحتياجاته الفكرية .
       ولقد كانت استجابتهم هذه على أنحاء مختلفة ، لكنهم جميعاً كانوا يلتقون عند معارضة كل من الخوارج، والمعتزلة : الأولى فى تكفيرهم لمرتكب الكبيرة وتخليده فى النار، والثانية فى إخراجها إياه من حظيرة الإيمان، وكلتيهما لوعيديتهما ولإدخالهما العمل عنصراً أساسياً فى حقيقة الإيمان .
       وإذا كان المرجئة جميعاً لا يعتبرون العمل جزءا أساسياً من حقيقة الإيمان ، فإن منهم من كان يقتصر على ذلك، وهؤلاء كانوا موزعين بين فرق كثيرة، ومنهم من كان يحكم بعدم اعتبار العمل ، وهؤلاء من يستحقون - فيما يبدو - اسم المرجئة الحقيقية.
       ومن هؤلاء الأخيرين فرقة العبيدية ذات الأثرالعميق- فيما نرى - في مظاهر ما أصبح يسمى التدين المغشوش ، وقد انتعشوا في السنوات الأخيرة لالتقائهم موضوعيا مع العلمانية من ناحية ، ولتقاطعهم من ناحية أخرى مع ظروف المواجهات السياسية مع الفرق الإسلامية المطلة برأسها من الشيعة والخوارج والوهابية وما أشبه 
ينقل الشهرستانى عن أصحاب عبيد المكتثب أنه ذهب بهم إلى أن ما دون الشرك مغفور لا محالة، وأن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام ، واجترح من السيئات (1) .
       ولم أجد هذه الفرقة بهذا الاسم عند الأشعرى إلا أنه يتحدث فى المقالات عن فرقة غير مسماة ، تقول بأنه كما لا ينفع مع الشرك عمل [ طاعة ]، كذلك لا يضر مع الإيمان عمل [ معصية ] ولا يدخل النار أحد من أهل القبلة (1) .
- واليونسية : حيث ينقل الشهرستانى عن أصحاب يونس بن عون النميرى أنه ذهب بهم إلى أن الإيمان هو المعرفة بالله ، والخضوع له، وترك الاستكبار عليه ، والمحبة بالقلب فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن ، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان ، ولا يضر تركٌها حقيقةَ الإيمان ، ولا يعذب على ذلك إذا كان الإيمان خالصاً واليقين صادقاً .
        ( قال: ومن تمكن فى قلبه الخضوع لله والمحبة له على خلوص ويقين لم يخالفه في معصية(2) ) فإذا وقعت منه المعصية فهي (لا تضره) لأنها في هذه الحالة لا تكون إلا هفوة لا عمد له فيها.. وهى بالتالي يمكن أن يقال عنها أنها لا تضر !!! ، لأنه لا شك تائب منها مستغفر (3).
وإذا فقد رجع الأمر بهذه الفرقة إلى اعتبار العمل ، لكن لا كجزء أساسى من حقيقة الإيمان ، وإنما بصدوره عن الإيمان الذي اصطلحت عليه صدوراً طبيعياً ، ومن الواضح  أن هذه نظرة مثالية ، وهي لو أحسنا الظن تدق على فهم العامة، وتعرض العمل للخطر عندهم  (1)).وهم بالتالي يذهبون إلى أن .. ( الإيمان لا يزيد ولا ينقص(2)).
 
ومنهم الثوبانية : ، زعموا أن الإيمان هو المعرفة والإقرار : بالله وبرسله .
       وربطوا بين الإيمان والعقل ربطاً محكماً إذ أضافوا إلى الإيمان بما تقدم الإيمان بما كان لا يجوز في العقل إلا أن يفعله ، وأما ما كان جائزاً في العقل ألا يفعله فليس ذلك من الإيمان(2) .
       وهو ربط يبدو فيه غلو واضح في شأن العقل .
       ومن هنا قال البغدادى إنهم فارقوا اليونسية والغسانية من المرجئة بإيجابهم شيئاً في العقل قبل ورود السمع(3) .
وتابعه فى مقالته هذه غيلان الدمشقى ، وأبو شمر ، ومحمد بن شبيب وغيرهم(4) .
 
والتومنية : أصحاب أبى معاذ التومنى . الذي زعم أن الإيمان اسم لخصال إذا تركها التارك كفر وهذه الخصال هى المعرفة والتصديق والمحبة والإخلاص والإقرار بما جاء به الرسول.
وهذه الخصال جميعاً هى الإيمان، ولا يقال للخصلة الواحدة منها إيمان، ولو ترك خصلة واحدة كفر.
وكل طاعة لم يجمع المسلمون على أن تركها كفر فليست من الإيمان ، ولكن يقال فيها إنها من " شرع "  الإيمان ، من الإيمان، و يقال للتارك لها إنه فــَسـَق ، ولا يقال إ،÷ فاسق (5) .
وقد نسب شيء من الإرجاء إلى بعض الفرق كالقدرية ومنهم صالح بن عمرو بن شبيب (1) ، وقد ذهب إلى أن الإيمان هو المعرفة بالله والكفر هو الجهل به(2) !!! . ونسب إلى الإرجاء من الجبرية جهم بن صفوان (3) ويؤكد البغدادي أن جهما قال بالإجبار والاضطرار ، وأنكر الاستطاعات كلها .
       مما تقدم يتبين أن المرجئة الحقيقية التى تذم بإسقاط العمل تأرز إلى العبيدية - التى ذكرها الشهرستانى - وحدها .
       أما من عداها فإنهم لا يسقطون العمل ولكنهم يخرجونه من حقيقة الإيمان فحسب .
       بل أن فرقة منهم - اتهمت بإسقاط العمل - وجدنا أنها تعلى من مستوى الإيمان وعلو شأنه بما يحقق العمل ، وبما يجعل منها فرقة متشددة فيه ، وكذلك كانت فرق أخرى من المرجئة الذين أدخلوا المحبة والإخلاص في حقيقة الإيمان .
       ونلاحظ هنا أن المرجئة فى تناولهم للعلاقة بين الإيمان والعمل ، امتد نظرهم إلى العقل ، حتى إنا وجدنا طائفة منهم تعتبر الإيمان هو المعرفة فحسب ، وطائفة أخرى ترى أن اعتقاد التوحيد بغير نظر لا يكون إيمانا(1).
       وعلينا أن نلاحظ اتساع مفهوم الإرجاء إلى الحد الذي اضطرب فيه فشمل الكثير من أهل الحديث وأهل السنة. وفى هذا نختم الكلمة برواية لابن أبى العوام الحافظ بسنده عن أبى حنيفة ، تبين هذا المفهوم الرحب ، كما تبين بداية ظهور هذه التسمية :
       قال أبو حنيفة : دخلت أنا وعلقمة بن مرثد على عطاء بن أبى رباح ، فقلنا له يا أبا محمد : إن ببلادنا قوماً يكرهون أن يقولوا : إنا مؤمنون ، قال عطاء : ولم ذاك ؟ قال يقولون : إن قلنا نحن مؤمنون ، قلنا نحن من أهل الجنة . قال عطاء : فليقولوا نحن مؤمنون، ولا يقولوا نحن من أهل الجنة ، فإنه ليس من ملك مقرب ، ولا نبى مرسل إلا ولله عز وجل عليه الحجة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له . ثم قال عطاء : يا علقمة إن أصحابك كانوا يسمون أهل الجماعة حتى كان نافع بن الأزرق فهو الذى سماهم المرجئة. قال القاسم - أحد رواة الخبر - قال أبى : وإنما سماهم المرجئة فيما أبلغنا أنه كلم رجلاً من أهل السنة فقال له أين تنزل الكفار في الآخرة ؟ قال : فى النار ، قال : فأين تنزل المؤمنين ؟ قال : المؤمنون على حزبين مؤمن بر تقي فهو في الجنة ، ومؤمن فاجر رديء فأمره إلى الله عز وجل إن شاء عذبه بذنوبه وإن شاء عفر له بإيمانه. فقال : فأين تنزله ؟ قال : لا أنزله ولكنى أرجئ أمره إلى الله عز وجل. فقال : فأنت مرجى (1) أ.هـ.
ولقائل أن يقول صارت المرجئة - كاصطلاح - تساوي اللاأدرية وهذا أظهر ما لها من تأثير في الجو الإسلامي المعاصر !!
و بعـــــد : فلما كان الإرجاء مذهباً غير متكامل ، يوجه اهتمامه كله نحو قضية بعينها ، فإنه لم يكن صالحاً للاستمرار الذاتي ، وترك نفسه يذوب بين الفرق والمذاهب ليترك بصماته هنا وهناك ، وليعيش من خلال الآخرين ، بل لقد ضمن له ذلك بقاء أطول ، على النحو المذكور ، فقضيته قضية الحكم بالإيمان والإسلام والكفر ، وهى قضية تثار فى كل عصر وحين.
ويتلخص مذهب المرجئة الحقيقية في ادعاء أنه كما لا ينفع مع الكفر طاعة فإنه لا يضر مع الإيمان معصية !!! ، وفي إرجاء الحكم بالكفر والإيمان : وكلاهما أصبح شائعا في الجو الثقافي المصري المعاصر بعامة ، وبخاصة في أوساط الفنانين ، ونخبة المثقفين ، وقطاع كبير من العلمانيين ، وشاع بينهم دون أن يعرفوا مصدره غالبا ، واستحكم فيهم استجابة لعوامل التبرير النفسي لما هم فيه من تخليط وتشويه وتناقض ، وبتدبير من إعلام طاغ اتفق موضوعيا مع هذا المذهب كما اتفق موضوعيا مع رغباتهم في الجمع بين المتناقضات : بين الصلاة والرشوة ، والصوم والمسلسلات ، والزكاة والزنا ، والحج والرقص الشرقي ، والعمرة والتزوير ، والكذب وقراءة الأوراد !!
كما أنهم التقوا – مع تأثرهم بهذا الإعلام - بدعوة مريضة لدعاة مقهورين كرست فيهم ما سبق من هذه المتناقضات ، ومنـّتهم بمغفرة السيئات ، بالرغم من أنهم قد ابتعدوا في سلوكياتهم عن شروط المغفرة : من النية والإخلاص والتوبة ، واجتناب الكبائر ، وأداء حقوق العباد ، وعدم الإصرار على الصغائر .   كما نبين في الجزء الخامس من هذا المقال 
والله أعلم
يتبع


(1) الملل والنحل ( جـ1 ص 126 ) .
(1) المقالات ( جـ1 ص 209 ) .
(2) الملل والنحل ( جـ1 ص 125 ) .
(3) التفكير الفلسفى فى الإسلام ( ص 197 ) .
(1) المقالات ( جـ1 ص 198 ) ، والتبصير للإسفرايينى ( ص 60 )
(2) اعتقادات للرازى ( ص 70 ) .
(2) المقالات للأشعرى (جـ1 ص 199) والملل والنحل للشهرستانى (جـ 1ص 127) . والتبصير للإسفرايينى (ص 61) .
(3) الفرق بين الفرق ( ص 204 ) .
(4) الملل والنحل ( جـ1 ص 127 ) .
(5) الفرق بين الفرق للبغدادى ( ص 204 ) والمقالات للأشعرى ( جـ1 ص 204) ، والملل والنحل للشهرستانى (جـ1      ص 128 ) ، والتبصير للإسفريينى (61 ) .
(1) المقالات ( جـ1 ص 199 ) والملل والنحل للشهرستانى ( جـ1 ص 129 ) وفرق الشيعة للنوبختى ( ص 6 -8 ) ، والفرق بين الفرق للبغدادى ( ص 205 )
(2) الملل والنحل للشهرستانى ( جـ1 ص 129 ) والمقالات للأشعرى ، .
(3) المقالات للأشعرى (جـ1 ص 197 ) وفرق الشيعة للنوبختى .
(1) المقالات ( جـ1 ص 207 )
(1) نقلته عن الكوثرى على هامش رسالة أبى حنيفة إلى عثمان البتى ( ص 37 ).
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر