أكذوبة الصدق وحضارة على أبواب الفناء

كتبهاyehia fargal ، في 19 أكتوبر 2009 الساعة: 16:59 م

 

بسم الله الرحمن الرحيم
أد : يحيى هاشم حسن فرغل
Yehia_hashem@hotmail.com
حضارة على أبواب الفناء
وأكذوبة الصدق
 
إنه إذا كان مالك بن نبي قد شخص الحالة الشرقية بالقابلية للاستعمار فإن أرنولد توينبي فيلسوف ومؤرخ الحضارة ، وآل جور نائب رئيس الولايات المتحدة الأسبق وأخرين قد شخصوا حالة الحضارة الغربية – بحق – بوقوفها على أبواب الفناء حيث أصبحت بحالة غير قابلة للعلاج .
يقول توينبي :
: ( هذا النجاح المنذر بالشر للتكنولوجيا العلمية البشرية - إضافة إلى النتائج الأصغر للانجازات السابقة التى قامت بها الثورة الصناعية - هو الذي يهدد بجعل المحيط الحيوي مكاناً غير صالح للعيش )
و يقول ( في عصرنا نجد أن سيادة الإنسان التامة على المحيط الحيوي بأكمله تهدد بإحباط نوايا الإنسان ، وذلك بتحطيم المحيط الحيوي والقضاء على الحياة بما في ذلك الحياة البشرية كلها . ) أنظر تاريخ البشرية صــ 26 -28-– 29- 31- جـ 1 ، ترجمة " نيقولا زيادة..
ويتفق آل جور ـ وهو أحد كبار القيادات المسئولة في هذه الحضارة _ مع التحليل الذي وصل إليه أرنولد توينبي للمشكلة ، يقول آل جور في كتابه " الأرض في الميزان " :
: ( إن الأزمة البيئية بلغت اليوم حداً من الخطورة يجعلنا نعتقد أن حضارتنا يجب أن تعتبر بطريقة أساسية مختلة الوظائف ، وأن إحدى القواعد التى تقوم عليها الحضارة مختلة الوظائف هي أنك لا يمكنك مراجعة هذه القواعد أو مناقشتها ) أنظرالأرض في الميزان لآل جور صــ 234 وما بعدها .:.
وبعبارة أخرى هي الحضارة القابلة للفناء أو على أبواب الفناء
ومن قبلهما  تنبأ شاعرنا أحمد شوقي بهذه النهاية لمثل هذه الحضارة بقوله :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت                  فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
الأخلاق هي ما يبني الحضارة وهي ما يهدمها
والمشكلة أن بعضنا يعجب بأخلاقيات هذه الحضارة وبمن سلك طريقها من أذيالها ممن سكنوا في زرايب العلمانية وقطعوا صلتهم بدين الله ، حيث توهموا أن في مزابلهم  شيئا من أشباه الصدق أو الفضيلة، والأمانة ، والشجاعة ، وأصبحوا يستشهدون على ذلك بمقولة ساذجة صادرة عن الشيخ محمد عبده يقول فيها إنه وجد في أوربا إسلاما بغير مسلمين  وما أظنها صدرت عنه إلا كنفثة مصدور من حال المسلمين ، وما صدرت عنه قاصدا أبعادها التي تصب في تيار العلمانية الأخلاقية !! …. … إن أشباه الأخلاق تلك نابعة في حقيقتها من إدمان الكذب ، الكذب الذي هو رأس الفساد جميعا ، وهو الذي علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن المسلم قد يفعل الكثير من الأخطاء لكنه لا يكذب ، فأية مصداقية وأي صدق أو فضيلة وأية أخلاق تلك التي وقد صدرت عن أسس غير دينية واتجهت إلى غايات دنيوية بحتة : صارت مجرد وسيلة " تجميلية راقية " لممارسة الكذب  وتزوير القيم ، وتدنيس الثروة ،  واغترار القوة ، في جسد خال من بصيرة الروح ، مكدس بنفايات النفاق ,, مؤذن بالدمار على أبواب الفناء …
ومن ثم فإنها – كما أصبح معروفا – جرت إلى أنواع من المظالم والقلق والاضطراب والصراع والدمار والفساد والتناقض مع البيئة والكون ، لم يشهد العالم لها مثيلا من قبل ، على مستوى الإنسان والطبيعة معا …!!.
يتحدثون عن الصدق أو الفضيلة في المعاملة عند الإنسان  الأوربي ، أي صدق أو فضيلة هذه ؟ أي صدق أو فضيلة في حجية الحرب على العراق من اجل أسلحة الدمار الشامل ، وقد بانت الكذبة على الملأ ؟ أي صدق أو فضيلة في حجية هذه الحرب من اجل القضاء على ما يسمى الإرهاب وما صلة إرهاب القاعدة بنظام صدام حسين وقد كان رجلهم في حربه ضد إيران ثم الكويت ؟
أي صدق أو فضيلة في الدعايات الدولية التي أطلقها بوش وماكينته السياسية والإعلامية عن أسلحة الدمار الشامل التي ينتجها العراق وهم يعلمون أنهم كاذبون كما أقر بذلك وزير خارجيته بعد ذلك وهي الكذبة التي أثمرت بعد ذلك قتل مئات الآلاف وتشريد الملايين وتدمير الدولة وتمزيق الشعب
 أي صدق أو فضيلة في حجية الحرب من اجل الديموقراطية ؟ بينما جاء  تدمير غزة وتجويعها عقابا صريحا لها على ممارسة الديموقراطية في اختيارها لحماس وتهديدا معلنا لها ألا تستعملها مرة أخرى وإلا ..إن عدتم عادت الكرة . !! ؟ ؟
أي صدق أو فضيلة في تسليح شعب سرق الأرض التي استوطنها غصبا منذ خمسة عقود - على الأكثر-  تسليحا يغطيه من إخمص قدميه حتى أطراف أنيابه ، ومن سونكي البندقية إلى أسلحة الدمار الشامل .. وتحريم هذا التسليح على شعب سرقت منه تلك الأرض التي هي وطنه منذ خمسة آلاف سنة على الأقل   ؟ فإذا حاول أو فكر في تسليح نفسه سارع طغاة الديموقراطية إلى تشريع ما أصبح يسمى الحرب الاستباقية ليضربوه وهو يفكر منبطحا ، قبل أن يعجزوا عن ضربه وهو يقف مجاهدا ؟
أي صدق أو فضيلة في ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين الذي نجده في ساحة العدالة الدولية والحكم بين قطعان اليهود ومجاهدي فلسطين
أي صدق أو فضيلة في تدمير  الشعب البوسني والشيشاني والفلسطيني والأفغاني والصومالي لا لشيء إلا كونه مسلما ؟ 
أي صدق أو فضيلة في نزع سلاح الضعيف وتكديسه في ترسانة القوي ؟ أي صدق أو فضيلة في السكوت عن أسلحة الدمار الشامل بيد دولة اليهود وتحريمها بيد إيران الإسلامية ؟
أي صدق أو فضيلة في معاملات تجارية محسوبة بنتائج الربح والخسارة ؟ أي صدق أو فضيلة في معاملات وظيفية محسوبة بنتائج التوظف والبطالة ؟
أي صدق أو فضيلة في معاهدات دولية محسوبة بإمكانات الخرق والإبطال ؟
أي صدق أو فضيلة في وصفهم حركات التحرير بالإرهاب ،ووصفهم حكومات الإرهاب بالشرعية ؟
أي صدق أو فضيلة في ساسة يصرحون اليوم بما يعرفون أنهم سبنفونه غدا أو بعد ساعة فإذا بهم يصيدون عصفورين بحجر واحد ثم يبيعون كلا في سوق الأوهام  ويقبضون الثمن مغموسا بالعار
أي صدق أو فضيلة في قوم يرفعون شعار حب الحياة بينما أيديهم مغموسة في الدماء
أي صدق أو فضيلة في أنواع من الانضباط ليس فيها شيء من الفضيلة أكثر مما في انضباط الآلة والكمبيوتر وأجهزة الروبوت ؟
أي صدق أو فضيلة في وقائع عصابات الجريمة المنظمة ومنها غسيل الأموال وقد أصبحت تكتسب شرعية دولية في ظل التقدم الهائل في النظم المالية والمصرفية والالكترونية العالمية ، وأن حجم غسيل الأموال لهذه العصابات تفاقم على المستوى العالمي حيث تقدر الأموال المغسولة في سنوات التسعينات بنحو سبعمائة مليار دولار سنويا [1].
أي صدق أو فضيلة في دلالة ما أظهرته دراسة أجريت في 30 مدينة كبيرة من مدن الولايات المتحدة أن نسبة الإجرام فيها قد زادت في عام 1989 بشكل ملحوظ ، والتي تتزايد منهجيا … إلى الحروب القائمة بين عصابات المخدرات في هذه المدن ، وأن مدينة واشنطن تفوقت على مدينة نيويورك في الرقم القياسي لعدد القتلى وتحولت إلى عاصمة الخوف [2]
أي صدق أو فضيلة في دلالة ما  تشير إليه بعض  الإحصاءات من أن أكثر من مليوني عجوز أمريكي يتعرضون للإيذاء ويتخلى عنهم أبناؤهم سنويا ، ويتوقع الخبراء أن تزداد في المستقبل حالات المسنين الذين يتعرضون للإيذاء بعد أن تتجاوز أعمارهم خمسة وستين عاما ، وأن نحو نصف المسنين الأمريكيين يتعرضون للإيذاء و يضطرون لدخول المستشفى نتيجة لذلك ، وغالبا ما يكون الأبناء هم المتسببين [3].
وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما يشير إليه التقرير الذي نشر في لندن محذرا من أن حوالي نصف مليون شخص عجوز في بريطانيا معرضون للاعتداء الجسماني أو العقلي ، وقالت جمعية طب الشيخوخة البريطانية أن إيذاء المتقدمين في السن موجود لدى جميع الطبقات الاجتماعية من جميع الأعمار والشخصيات ولكنه بالرغم من انتشاره الواسع لا يلقى اهتماما من الجمهور ، وقالت الجمعية التي تمثل 1500 طبيب لأمراض الشيخوخة أن الإيذاء يتخذ العديد من الأشكال بما في ذلك الاعتداء المباشر والحرمان من الطعام أو الدواء أو الاستفزاز[4]
أي صدق أو فضيلة في دلالة نتائج دراسة نشرتها مجلة إيسكوير في عدد يونيو 1990 أظهرت أن 50 %  من الرجال الذين شملهم استطلاع خاص قالوا إن لهم علاقات مع نساء غير زوجاتهم ، في حين قالت 65 % إنهن يعتقدن بان ليس لأزواجهن علاقة مع أحد غيرهن ، وأن 35 % من النساء اللاتي تم استطلاع آرائهن قلن إنهن خدعن أزواجهن بالفعل [5].
أي صدق أو فضيلة في تدمير الأسرة بدعوى الحرية والوصول بها إلى الأسرة الأحادية بين الطفل والأم أما الأب فقيد " مجهول " وأما الطفل فيتم شراؤه أو تبنيه 
أي صدق أو فضيلة في دلالة ما أوضحته إحصائية أجراها مركز الدراسات الوطني بفرنسا ونشرتها صحيفة " لو فيجارو " أن طفلا من كل ثلاثة يولد في فرنسا خارج عقد الزواج ، وأن عدد النساء اللاتي يقمن بتربية أولادهن وحدهن دون أب تضاعف إلى الضعف ، أي ما يعادل مليون امرأة في عام 1993 مقابل خمسمائة ألف امرأة في عام 1968 .[6]
وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما نشرته جمعية الطفولة الفرنسية في تقريرها لعام 1989 من أن حوالي 45 ألف طفل فرنسي يتعرضون لاعتداءات وحشية تؤدي في أحيان كثيرة إلى الموت ، وأن 57% من الاعتداءات تقع على أطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وتسع سنوات ، غالبيتهم من الإناث ، وأشار التقرير إلى أن أولياء الأمور هم الفاعلون الأصليون في 75 % من هذه الاعتداءات [7].
وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما قدمته دراسة أعدها مجلس من رؤساء المنظمات الحية والتجارية في أمريكا أن مئات الألوف من المراهقين من الجنسين في الولايات المتحدة الأمريكية يعانون من تفشي عادة تعاطي المخدرات ، وأمرض تناسلية ومشاكل عاطفية ، وحمل غير مرغوب به عند الإناث أدت بالكثير منهم إلى الرسوب في الدراسة والانتحار . وأفادت بأن الإحصاءات تؤكد أن حوالي مليون مراهقة أمريكية أي ما يعادل واحدة إلى عشرة مراهقات في المجتمع الأمريكي يتورطن بحمل غير مرغوب فيه ، كل عام ، كما أن 2.5 مليون من المراهقين والمراهقات يصابون بأمراض تناسلية خطيرة نتيجة تفشي الإباحية ، وأضافت بأن معدل الانتحار بين فئة هذا الجيل تضاعف منذ عام 1968 وأن 10% من الذكور المراهقين و 20 % من المراهقات يحاولون الانتحار كوسيلة للتخلص من مشاكلهم الصحية والعاطفية والاجتماعية .
وأي صدق أو فضيلة في دلالة الدراسة التي ذكرت  أن العنف أصبح جزءا لايتجزأ من الحياة اليومية للكثير من المراهقين الأمريكيين ،و أن 135 طالبا وطالبة يحضرون أسلحة معهم إلى المدرسة بصفة يومية[8].
 وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما ذكرته دراسة نشرتها جريدة الشعب المصرية   من أنه قد أصبحت المسيرات التي ينظمها الشواذ بنوعيهما من أحل الحصول على مزيد من الحقوق الاجتماعية من التقاليد المتبعة في باريس منذ عام 1980 ، وقد تم الاحتفال في عام 1995 بالحركة المسماة " مفخرة الشواذ ‍" في خمس مدن كبرى قامت بالإعداد لها مائة وخمس وعشرون منظمة من منظمات الشواذ وجمعياتهم ، وتفاوت حجم المظاهرات من بضع مئات في مرسيليا ونانت ليصل عددهم عددهم إلى عشرين ألفا في باريس ، وذلك بخلاف مدينتي تولوز و مونبلييه ، أما في الولايات المتحدة فيرجع تاريخ هذه الاحتفالات إلى عام 1969 حينما قامت إحدى دوريات البوليس بمداهمة حانة " ستونوول " في حملة تفتيشية إلا أن الشواذ في ذلك المساء قد رفضوا الإذعان لهجمة رجال البوليس ، وقاوموهم بشدة ليتحول الأمر إلى مظاهرة واعتصام امتد لمدة ثلاثة أيام .. وكان ذلك بمنزلة مولد الحركة المسماة " مفخرة الشواذ " وإعلان فرض ظهور المنحرفين من الأقبية والحنايا المستترة لينبثقوا في وضح النهار !! وسرعان ما امتدت هذه الحركة هذه الحركة - كما تقول الدكتورة زينب عبد العزيز في دراسة نشرتها جريدة الشعب - إلى مختلف العواصم الأوربية في برلين وبوتسدام وبرشلونة ومدريد وأيدنبرج ولندن وكوبنهاجن وستوكهولم وبوينس ايرس ، وجوهانسبورج ن ومن المخزي - كما تقول الدكتورة زينب - أن نطالع ماورد بمجلة " نوفيل أوسرفاتير " الصادرة في 22 يونيو 1995بالتفصيل الممل وعلى مدى تسع صفحات ماوصل إليه هؤلاء المنحرفون من سلطان في البلاد الأمريكية بحيث أصبحوا يكونون مركز ضغط لايستهان به بعد أن أصبخت لهم جماعاتهم العلنية في المدن الكبرى ، بل وأصبحت لهم أحياء باسرها مثلما في مدينة سان فرانسسكو[9] !
وأي صدق أو فضيلة في دلالة ما جاء في تقرير أعدته نائبة أوربية عن بعض الجهات بالوقوف وراء تصاعد ظاهرة المتاجرة بالرقيق في بلدان الاتحاد الأوربي ، وذكر التقرير أن حجم هذه التجارة وصل إلى 500 ألف فتاة وامرأة يجلب معظمهن من دول الاتحاد السوفيتي السابق . ورفعت النائبة عن حزب العمال البريطاني سوزان واديكست إلى البرلمان الأوربي تقريرا عن ذلك يبين تصاعد حجم تجارة الرقيق خلال سنة واحدة فقط بمقدار الضعف تقريبا علما بأن الحجم الفعلي لهذه الممارسة لايزال خفيا [10].
وعلى مستوى المذابح الكبرى أي صدق أو فضيلة في دلالة ما اعترف به الاتحاد السوفيتي لأول مرة بتاريخ 13 \ 4 \ 1990 بمسئوليته عن مذبحة كانتين التي راح ضحيتها 15 ألف ضابط ومواطن بولندي ، والتي ارتكبتها قوات البوليس السري السوفيتية في عام 1940 في منطقة كانتين بغرب الاتحاد السوفيتي [11]
وفي تاريخ العلم أي صدق أو فضيلة في دلالة ما نشرته جريدة الخليج في 12 \ 12 \ 1995 بعنوان ( عباقرة ولكن لصوص) ، جاء فيها : أن بعض العباقرة الذين يتحدث العالم عن عبقرياتهم بما يشبه الانبهار لم يكونوا عباقرة على الإطلاق ، وإنما أناس عاديون سرقوا عبقريات غيرهم ،ونسبوها لأنفسهم ، وبدوا أمام الناس في جلود غير جلودهم ، وثياب غير الثياب التي يرتدونها . وحتى الآن ما يزال الناس يعتقدون أن صمويل مورس هو الذي اخترع " إشارة مورس " التي تحمل اسمه ، بينما يقول المؤرخون إن مورس لا علاقة له بهذه الإشارة التي فتحت أمام العالم عصر اللاسلكي ، ومخترعها هو مساعده ألفريد فيل ! وقد كافأ مورس مساعده فيل بتعيينه في منصب قيادي في عالم الاتصالات ، لكي يضمن سكوته . وعندما حاول مورس تسجيل اختراعه في أوربا والحصول على براءة اختراع وجد صعوبة في ذلك ، فقد اكتشف أن الأوربيين سبقوه إلى هذا الاختراع بسنوات ،وأن السير تشارلز ويتسون وشريكه ويليام كوك يمتلكان شبكة للتلغراف في لندن منذ عام 1840 .
ويقول المؤرخون إن تشارلز ويتسون مساهم في تطوير الفونوغراف الذي يعتقد الناس أن توماس أديسون اخترعه عام 1877 .. أما المخترع الحقيقي للفونوغراف فهو ليون سكوت دومارتينفيك الذي ابتكر جهازا أطلق عليه اسم " الفونوغراف " ولم يكن هذا الجهاز يعمل بإبرة ، وكل ما هنالك أن أديسون استغل علاقاته في مكتب تسجيل براءات الاختراعات ، وسجل الاختراع باسمه ،ولم يستطع دومار تينفيك أن يفعل شيئا .
ونفس اللعبة لعبها أديسون بالنسبة للمصباح الكهربائي .. ويقول المؤرخون إن المصباح الكهربائي من اختراع شخص بريطاني اسمه السير جوزيف سوان ، وقد توصل إليه عام 1878 ، ويقول المؤرخون إن أديسون سمع بخبر هذا الاختراع ،وسارع إلى إنشاء شركة للتصنيع الكهربائي ،وبدأت الشركة بالعمل في أكتوبر 1880 ، أي قبل شهر واحد من حصول سوان على ترخيص لإنشاء شركته التي أطلق عليها اسم " شركة سوان للمصباح الكهربائي " وسجل الاختراع باسمه .
ويقول المؤرخون إن إليشاغراي ،وليس جراهام بيل هو الذي اخترع جهاز الهاتف ، وعندما ذهب إلى تسجيل اختراعه في مكتب براءة الاختراعات ،وجد أن الكسندر جراهام بيل سبقه إليه بثلاث ساعات !
وفي جانب آخر أفادت دراسة نشرتها مؤسسة " جوزيف إند إيدنا جوزفسون " الأخلاقية الخاصة استغرق إعدادها سنتين على تسعة آلاف طالب تتراوح أعمارهم بين خمس عشرة وثلاثين سنة أن 61 % من طلاب المدارس الثانوية و32 % من الطلاب الجامعيين يعترفون أنهم غشوا في امتحان السنة الماضية {1991} ، وأقر ثلث طلاب المرحلة الثانوية و16 % من طلاب الجامعات أنهم سرقوا خلال السنة الماضية ، واعترف أكثر من الثلث بأنهم كذبوا في الطلب الذي قدموه للحصول على وظيفة ، ولم يكتبوا معلومات صحيحة في نموذج البيانات الشخصية ، وذكر رالف ويكسلر نائب رئيس المؤسسة أن "شبان اليوم " لم يخترعوا الغش والسرقة والكذب لكنهم أجادوها ، وقال أيضا " نحن بصدد إنشاء مجتمع يزدهر فيه الذين يغشون ، وبصراحة لا نستطيع أن نقول لهم إن الصدق أو فضيلةهو الأفضل " في إشارة منه إلى خواء البناء القيمي للمجتمع في فلسفته المادية النفعية البراجماتية [12].
فما ذا بقي من فضيلة في هذه المفاصل الحضارية الكبرى - غير فضيلة تخزين الأسلحة شاملة الدمار - ؟ إنها باقة من رذائل السادة نهديها إلى أكواخ العبيد .
فهل يراجع دراويش الغرب مواقفهم ؟ لا أظن ذلك ، وليس المتوقع منهم حسب تكوينهم الثقافي إلا أن تحمر أوداجهم غيرة على سادتهم ، وأن يقولوا لنا بمنطق أشبه بمنطق أولاد الشوارع : بل أنتم ……… ؟! ولله الأمر من قبل ومن بعد !
 على أية حال ومن هنا تتبين لنا حقيقة هامة ، وهي أن الأساس الإلهي للأخلاق هو الأساس الأخلاقي الوحيد الذي يمكن للإنسانية أن تطمئن إليه ، أنه من الجهة الوحيدة التي يحق لها أن تضعه – جهة الخالق - وأن فقدان هذا الأساس هو منبع الفساد في أي مجتمع هنا أو هناك ، وهذه هي رسالة الأخلاق الإسلامية   .
لقد كانت هناك وما تزال فلسفات تحاول أن تضع أساسا إنسانيا للأخلاق ، تستمده من اجتهادات العقل ومباحث العلوم .
وبمقدار ما بين هذه الفلسفات من اختلافات وشكوك كانت الأخلاق التي تقوم عليها مضطربة القواعد ، مهتزة المقاييس ، وكانت المجتمعات التي تبحث عن أساسيات لأخلاقها بين نظريات الفلاسفة أو العلم فريسة للتعاسة ، والفوضى ، والتردد ، والتمزق .
وإذا كانت أحدث هذه الفلسفات - وهي المنطقية الوضعية - قد انتهت إلى أن الأوامر الأخلاقية ليست غير أوامر تعبر عن إرادة أصحابها ورغباتهم ، … فإن الأساس الإلهي - وهو يقوم على أوامر الله صانع الإنسان - يصبح هو الأساس الوحيد الذي يصح للإنسان أن يأخذ به وهو مطمئن إلى أصالة مصدره ،وسلامة منهجه ، وبراءة غايته ، وسمو مقصده ، (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ 12 وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ 13 أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ   14 ) الملك
إن التحدي المعاصر الذي تواجهه  الحضارة المعاصرة  تحدِّ مصيري ، ، فهناك أسلحة الدمار الشامل التي تنتظر في مخازن الكبار ، وبالإيدز الذي ينتظر في مخادع الفساق ، وبجيوش الفيروسات والجراثيم التي تتربص بالإنسان في اللقمة والنسمة واللمسة ، والتي تقتحم عليه غدته أو لحمته أو خيشومته أوعظمته أو جلدته أوموضع زينته ، وعلى مستوى الطبيعة : هناك النفايات الذرية والتلوث البيئي ، والانقلاب المناخي ، وهلم جرا ، فكيف تحل المشكلة ؟ إنها لا يمكن أن تحل بغير الضوابط الأخلاقية الدينية التي أهملتها الحضارة المعاصرة ، واستبدلت بها أخلاقيات المكسب والخسارة والصراع والتطور .
كيف يمكن لهذه الحضارة وقد تغلغل في عروقها الإيمان بفلسفة التطور والصراع والبقاء للأقوى أن تقاوم الانحدار نحو الفناء  الذي تعرضت له حضارات من قبل كعاد وثمود ؟ وإذا كان بعضنا يعجب بزيوف سلوكية يتسربلون بها  في الصالونات والمنتديات فإنها تدعو للرثاء كما تدعو للسخرية ، إنها وقد صدرت عن أسس غير دينية واتجهت إلى غايات دنيوية بحتة صارت إلى نوع من التجارة التي يقصد بها تحصيل القوة والتفوق والسيطرة والطغيان ، ولذلك فقدت جوهر الطهارة النفسية ، وجرَّت إلى نوع من المظالم والقلق والاضطراب والصراع لم يشهد لها العالم مثيلا ، ولذا فإنها من وجهة النظر الإسلامية ليست من حسن الخلق في شيء ، وهي لم تثمر ولا يمكن أن تثمر شيئا في مقاومة الفناء الحضاري .
إن الأساس الإلهي هو الأساس الأخلاقي الديني الثابت الذي يمكن أن يطمئن إليه الإنسان في ممارسة الوجود  بله الترقي فيه
إن مقاومة التحلل الحضاري  إذا لم تكن مرتكزة على الأخلاق ، مشمولة بالإنصاف قائمة على العدل تصبح الدعوة في هذه الحالة دعاية ، بل تصبح نوعا من الخديعة ، وتتحول إلى وسيلة من وسائل استمرار الحروب ، وتصبح من ثم أبعد ما تكون عن مقاومة الانحدار نحو الفناء
بل إنها تصبح نوعا من الخديعة إذا لم تقم على قدر مناسب من توازن القوة (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ 251) البقرة
 (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ 40 الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ 41) الحج
وكما يقول الشابي
لا عدل إلاّ إذا تعادلتالقوى        وتصـــادم الإرهاب بالإرهاب
ولا يحسبن الغرب في إعلانه الحرب على الإرهاب في صيغته الأوسع وهو الإسلام – حسب تقديره - أنه بناج من مصير الذوبان في هذا المستنقع الذي يتسع بين قدميه يوما بعد يوم ولا راد له بغير عار الهزيمة فالجيوش لا يمكن أن تقضي على العصابات العقائدية التي تتناسل هندسيا في مواجهة إرهاب الدولة
وهاهي البيئة - نتيجة هذه النظرة الإقصائية لعنصر الأخلاق الدينية  - تتحول إلى مستودع للنفايات النووية والكيماوية و إلى مسكن موبوء شديد الخطورة على الأجيال القادمة وعلى الحضارة الراهنة
إن هذه الحضارة – نتيجة تمردها على الغيب الإلهي – قد جعلت الإقامة على وجه الأرض أمرا شديد الصعوبة إن لم يكن من المستحيلات نتيجة الاحتباس الحراري ، وما يترتب عليه من صيرورة الأرض كوكبا غير صالح للسكنى البشريةنتيجة العبث العميق بتوازنات الطبيعة الموزونة أصلا بميزان الله – على مستوى الفلك في السماوات وعلى مستوى الإشعاع في المادة وعلى مستوى الجينات في الحياة .
يقرر أرنولد توينبى في كتابه " . ( أن وجود الإنسان يهدد الآن صلاحية المحيط الحيوي للعيش فيه لكل أشكال الحياة بما في ذلك الحياة البشرية نفسها . ) أنظر تاريخ البشرية صــ 26 جـ 1 ، ترجمة " نيقولا زيادة
ويقول ( في حداثتي ـ مولود سنة 1889 م - كان يعتبر من الوهم أن يتخيل المرء أن الإنسان قد يملك من القدرة ما يمكنه من تلويث كل الجو المغلف للمحيط الحيوي …. وفي حقيقة الأمر فإن البشرية كانت إلى الربع الثالث من القرن العشرين الميلادي تقلل من أهمية التزايد الحديث في قدرتها على التأثير على المحيط الحيوي ، وقد نتج هذا التزايد من تحولين جديدين : أولهما متابعة البحث العلمي المنظم الهادف وتطبيق هذا على تقدم التكنولوجيا .. وثانيهما : تسخير الطاقة الطبيعية الموجودة في المحيط الحيوي لخدمة الأغراض البشرية .. ) .
ثم يتحدث عن خطر هذا التحول في المحيط البشرى فيقول : ( هذا النجاح المنذر بالشر للتكنولوجيا العلمية البشرية - إضافة إلى النتائج الأصغر للانجازات السابقة التى قامت بها الثورة الصناعية - هو الذي يهدد بجعل المحيط الحيوي مكاناً غير صالح للعيش )(2) .
و يقول ( في عصرنا نجد أن سيادة الإنسان التامة على المحيط الحيوي بأكمله تهدد بإحباط نوايا الإنسان ، وذلك بتحطيم المحيط الحيوي والقضاء على الحياة بما في ذلك الحياة البشرية كلها . ) (1) .
ويذكرنا أرنولد توينبى بوجود هذا التوجه نحو السيطرة على الطبيعة ؛ في الثقافة اليهودية القديمة ، في العدد الثامن والعشرين من الإصحاح الأول من سفر التكوين القائل : " وباركهم الله ، وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض ، وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر ، وعلى طير السماء ، وعلى كل حيوان يدب على الأرض (2) " .
ثم يشير إلى مخالفة هذا التوجه لما جاء في ثقافات أخرى ، إذ يحكى على لسان تاوتى تشينج قوله : ( كلما ازدادت الأسلحة الحادة تزداد الأرض كلها انغماساً في الظلام ، وكلما ازداد عدد الصناع الحاذقين تزداد الآلات المتلفة التى تخترع ، وكلما ازدادت القوانين التى تشرع يزداد عدد اللصوص وقطاع الطرق . شد القوس إلى النهاية وستتمنى لو أنك توقفت في الوقت المناسب . وإنه مع وجود آلات مع الناس تقتضى عملاً عشر مرات أو مائة مرة .. فإنهم لن يستعملوها (3) . وقد يكون هناك بعد قوارب وعربات ، ولكن أحداً لن يدخلها ، وقد يكون هناك أسلحة للقتال ، ولكن لن يتدرب عليها أحد . ) (4) .
ويتفق آل جور ـ وهو أحد كبار القيادات المسئولة في هذه الحضارة _ مع التحليل الذي وصل إليه أرنولد توينبي للمشكلة يقول آل جور : ( إن الثقافة الغربية المعاصرة تقوم على افتراضات متعلقة بالحياة ، يتم تلقينها للأطفال ، ألا وهى : إن الطبيعة يتعين إخضاعها ) .
( وهى افتراضات انتقلت من جيل إلى جيل ، منذ زمن ديكارت وبيكون ، ورواد الثورة العلمية الآخرين ، أى منذ 375 عاماً مضت ، وقد استوعبت هذه الحضارة تلك القواعد ، وتعايشت معها قروناً دون أن يراجعها أحد بجدية ) .
 وهو يربط بين هذه العقيدة الحضارية وبين أزمة البيئة المعاصرة ، ثم يقول : ( إن الأزمة البيئية بلغت اليوم حداً من الخطورة يجعلنا نعتقد أن حضارتنا يجب أن تعتبر بطريقة أساسية مختلة الوظائف ، وأن إحدى القواعد التى تقوم عليها الحضارة مختلة الوظائف هي أنك لا يمكنك مراجعة هذه القواعد أو مناقشتها ) .
كأنه يتطابق في ذلك مع قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ 6 خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ 7} 7 البقرة .
ثم يقول شرحاً لهذا الختم!! : ( إن رجال البوليس والأطباء ، وعلماء النفس يعجبون كثيراً كيف يستطيع أى شخص أن يصم أذنيه فلا يسمع صرخات القتيل الذي يذبحه ، ولا يرى أحزان الطفل الذي يعتدي عليه ، وكيف يخدر حواسه فلا يشعر بالآلام الشنعاء … ؟    إننا نعرف الآن الإجابة على هذه الأسئلة : ذلك أن هناك نوعاً من الخدر النفسي الناتج عن تكيف الأشخاص البالغين مع النمط مختل الوظائف الذي شبوا عليه ، إن حضارتنا مختلة الوظائف قد طورت نوعاً من الخدر ، ليمنعنا من الشعور بالألم نتيجة أفعالنا  ) .
ثم يقول في تشخيص أمراض الحضارة التى أدت إلى أمراض هذه الـبيئة ـ يقول فيما يعتبر مصداقاً لقوله r عن الكافر أنه يأكل في سبعة أمعاء …. يقول : ( كل جيل جديد في حضارتنا المعاصرة يشعر الآن بالاعتماد الكامل على تلك الحضارة نفسها . ذلك أن حضارتنا هي التى تزودنا بأنواع الطعام فوق أرفف السوبر ماركت ، والماء المتدفق من الصنابير داخل بيوتنا والمأوى ، والمأكل ، والملبس ، والعمل ، ووسائل التسلية …. إن أحداً لا يجرؤ على مجرد التفكير في حرمان أنفسنا من هذه العطايا الكثيرة (1) )
 وهى وإن كانت أمعاءً سبعة ، إلا أنها أمعاء زائفة ، يقول : ( إننا شيدنا في حضارتنا عالماً زائفاً من الزهور البلاستيكية وحلبات السباق الفلكية ، وأجهزة التكييف ، وأنوار الفلورسنت ، والنوافذ الشكلية التى لا تفتح ، والموسيقى الخلفية التى لا تتوقف ، والليالي الوهاجة بالبريق ، ومواخير التسلية وأوكارها، والطعام المجمد لأفران المكروييف ، والقدرات الذهنية التى تعتمد على الكافيين ، والكحول ، والمخدرات ، والأوهام والخيالات ….إن العديد من القواعد غير المدونة لحضارتنا مختلة الوظائف يشجع على الإذعان الصامت فيما يختص بأنماط السلوك المدمر التى نتعامل بها مع عالم الطبيعة .. )(2)
ثم يقول : ( إن المرء يكاد يصيبه الهلع من جراء اندفاعنا المسعور والقسري الواضح ، لكى نفرض سيطرتنا على كل بقعة فوق ظهر الأرض ، ودائماً فإن حاجات الحضارة التى لا يتم إشباعها تزيد نيران العدوان اشتعالاً ، والوصول إلى إشباع حقيقي لهذه الحاجات هو أمر بعيد المنال تماماً ) .
وكما يقول أصحاب كتاب نظرية الثقافة عن أتباع أحد أنماط الحياة المعاصرة إنه يردد دائما (القول حول عدم قدرته على التوفيق بين دخله الصافي وعاداته الأساسية ) ثم يقول أصحاب الكتاب عن هذا النمط ( ولنا أن نتأكد من أنه إذا تمكن من زيادة دخله بضع درجات فإنه لن يستثمر ذلك في سد الفجوة بين حاجاته وموارده ، لأنه سوف يزيد عاداته الأساسية نفسها ، وبالتالي يظل لديه نهمه الزائد، وتفاؤله المفرط . سوف يظل هذا الشخص يلهث وراء التقدم والرقي حتى يأتي ذلك اليوم على حين غرة حاملا له الموت ، ويضع نهاية للأمر كله )   ثم يقول ( نستنتج أن الحاجات لا نهاية لها فعليا وأن إشباع بعضها لا يتأتى إلا بسبب محدودية الموارد فحاجاتنا تتجاوز دائما مواردنا المحدودة ) [13] إنها الأمعاء السبعة الزائفة
ثم يقول آل جور فيما يعتبر مصداقاً لتحذير الرسول r جماعة استهمت على سفينة ، فيذهب من في أسفلها يخرق فيها خرقاً ليحصل على الماء .. فإذا تركهم من في أعلاها يفعلون غرقوا جميعاً ، وإذا منعوهم نجوا جميعاً .. يقول ( إن الأراضي التى يتم غزوها ـ يقصد بالتكنولوجيا الحديثة ـ لا تلبث أن تصبح أرضاً جدباء خربة ، وقد انتزعت منها خصوبتها ، وسلبت مواردها الطبيعية ، واستهلكت على وجه السرعة ، وكل هذا التدمير لا يؤدى إلى شئ سوى إذكاء شهيتنا للمزيد ، إننا نقوم بشكل منتظم بالاعتداء على أكثر مناطق عالم الطبيعة تعرضاً للخطر وأقلها قدرة على الدفاع عن نفسها : تلك هي الأرض المطيرة والمحيطات .. ) ثم يقول : ( ونحن أيضاً نعتدي على أعضاء آخرين من الأسرة الإنسانية ، وبخاصة أولئك الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم ، لقد سمحنا بسرقة الأرض من السكان الأصليين ، وباستغلال المناطق التي يسكنها أشد الناس فقراً .
        والأسوأ من ذلك كله أننا قمنا بالعدوان على حقوق الأجيال التي سوف تأتى بعدنا ، فعندما نقوم بتجريف الأرض بمعدلات تفوق قدرتها على الاحتمال تماماً فإننا نجعل من المستحيل على أحفادنا أنينعموا حتى بمستوى معيشة يقل كثيراً عما ننعم به نحن .
إننا الآن نفرض نموذجنا مختل الوظائف وإيقاعنا المتنافر على أجيال المستقبل ، ، وذلك بطريقة فاسدة)  (1) .
إن الأرض أصبحت نتيجة هذا الانطلاق في التعامل مع البيئة – بعيدا عن الإيمان بالغيب والالتزام بشريعة الله وأخلاقيات الدين – أصبحت بيئة فاسدة ، قاتلة ، ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 41 قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ 42) الروم
إنه بعد أن تندثر هذه الحضارة وفقا لتوقعات العلم وبسبب العلم ومن ذروة ارتقاء العلم والتكنولوجيا – أنظر آل جور في كتابه المشار إليه - سوف تصبح قصة من قصص التاريخ – إن بقيت فرصة لما يسمى التاريخ – فإن الإنسانية التي سوف تأتي بعدها إن قدر لها أن تكون سوف تذكرها دوما باعتبارها الحضارة الملعونة كما نذكر اليوم حضارة عاد وثمود وفرعون مصداقا لقوله تعالى (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 24 وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 25) يونس
إن ذلك لم يكن ليحدث لو أن هذه الحضارة كانت قد استبقت إيمانها بالغيب وما يصدر عن خالق الكون  من تشريع وأخلاق وهي تتعامل مع البيئة وإن أدى بها ذلك إلى التواضع في الطلب والتواضع في الأهداف : معدة واحدة لا سبعة !!
إن هذه الحضارة وقد تخلصت من الأساس الأخلاقي قد ترشحت للفناء من جهتين من جهة تدميرها للأسرة باسم الحرية وهي سر التواصل الإنساني ، ومن جهة تدميرها للبيئة باسم العلم وهي سر التواصل مع الطبيعة ، وقد أصبحت بذلك : الحضارة غير القابلة للعلاج – كما صرح بذلك توينبي وآل جور وغيرهما – وهي قد حققت بذلك شروط الدمار التي أصابت حضارات مثيلة من قبل هي أقرب ما تكون إلى مصير عاد وثمود وقوم فرعون وقوم لوط : حضارات بائدة
إنه إذا كان مالك بن نبي قد شخص الحالة الشرقية بالقابلية للاستعمار فإن آل جور قد شخص حالة الحضارة الغربية – بحق – بقوله ( نعتقد أن حضارتنا يجب أن تعتبر بطريقة أساسية مختلة الوظائف ، وأن إحدى القواعد التى تقوم عليها الحضارة مختلة الوظائف هي أنك لا يمكنك مراجعة هذه القواعد أو مناقشتها ) . وبعبارة أخرى " بغير القابلة للعلاج " وبعبارة أخرى بالقابلية للفناء وكلاهما يذكرنا ببيت أحمد شوقي الذي طالما رددناه حتى أصبح إبداعا أدبيا أكثر منه قانونا للتاريخ
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت                  فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وذهبنا نتمسح بالبيت الآخر له أيضا
بالعلم والمال يبني الناس ملكهمو          لم يبن ملك على جهل وإقلال
دون أن نستقر على واحد منهما
أو دون أن نأخذ بهما معا في تساوق حتمي فيما ذكره حافظ إبراهيموقد أصاب كبد الحقيقة :
وارفعوا دولتي على العلم و الأخلاق .    . فالعلم وحده ليس يجدي
 
وفي جميع الأحوال تناسينا إنذار الله  بالعاقبة ( حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 24 وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 25) يونس
فاستحقت الإنسانية اليوم من حضارة عاد وثمود وفرعون وقوم لوط وقوم بوش ما تتعرض له على أبواب الفناء
إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم قبض من طينته قبضتين قبضة بيمينه وقبضة باليد الأخرى فقال للذي بيمينه هؤلاء إلى الجنة ولاأبالي وقال للذي في يده الأخرى هؤلاء إلى النار ولاأبالي ثم ردهم في صلب آدم فهم يتناسلون على ذلك إلى الآن
الراوي: أبو موسى المحدث: الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - خلاصة الدرجة: فيه روح بن المسيب قال ابن معين‏‏ صويلح‏‏ وضعفه غيره‏‏
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في القبضتين : هذه في الجنة ولاأبالي ، وهذه في النار ولاأبالي
الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: ابن خزيمة - المصدر: التوحيد - خلاصة الدرجة: [أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح]
 
إن الله تعالى قبض قبضة فقال : إلى الجنة برحمتي ، وقبض قبضة فقال : إلى النار ولاأبالي
الراوي: أنس بن مالك المحدث: ابن خزيمة - المصدر: التوحيد خلاصة الدرجة: [أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح]
 
مرجعنا في الحديث : الموسوعة الحديثية :تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول موقع بإشراف علوي السقاف
 
والله أعلم


[1] \ جريدة الخليج 30 \ 12 \ 1995
[2] \ جريدة الاتحاد 21 \ 1 \ 1990
[3] \ جريدة الخليج في 6 \ 4 \ 1993
[4] \ جريدة الاتحاد 12 \ 5 1989
[5] \ جريدة الاتحاد بالإمارات في 24 \ 5 \1990
[6] \ جريدة الخليج 21 \ 4 1993
[7] \ جريدة الاتحاد في 17 \ 6 \ 1989
[8] \ جريدة الاتحاد في 11 \ 6 \ 1990
[9] \ جريدة الشعب المصرية في 28 \ 7 \ 1995
[10] \جريدة الاتحاد في 21 \ 12 \ 1997
[11] \ جريدة الأهرام في 14 \ 4 \ 1990
[12] \ جريدة الخليج 15 \ 11 \ 1992
(2) المصدر السابق صــ 28 ، 29
(1) المصدر السابق صــ 31 .
(2) تاريخ البشرية صــ 30 ، جـ 1 .
(3) من الذي سيستعمل ألف قناة تليفزيونية يتيحها له جهاز واحد ؟ !
(4) المصدر السابق صــ 30 ، جـ 1 .
(1) الأرض في الميزان صــ 233 .
(2) الأرض في الميزان صــ 234 .
[13] \ نظرية الثقافة : تأليف مجموعة من الكتاب ، ترجمة د علي سيد الصاوي ، ومراجعة وتقديم أد . الفاروق زكي يونس نشر سلسلة عالم المعرفة بالكويت العدد 223 ص89
(1) الأرض في الميزان لآل جور صــ 234 وما بعدها .
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر